أحدث المقالات
الرئيسية / دروس دينيه / حكم وأحكام الصيام

حكم وأحكام الصيام

 حكم وأحكام الصيام

لفضيلة الشيخ/فوزى محمد أبو زيد

    الحمد لله رب العالمين:

   كلمة الصيام يا أحباب يعنى الترك أو الإمساك، إمساك عن الطعام والشراب والمفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، أركان الصيام لا غنى لنا عنها وإلا إذا فُقِد ركنٌ منها بطل الصيام، وسنأخذ ركنان منها، وهما ركنان ننتبه لهما جيداً غير نوافل الصيام.

   وأنا عندما أتكلم معكم أتكلم بلغة إجماع المسلمين، لأن الفتاوى كثرت وهناك آراء شاذة كثيرة، وليس لنا علاقة بالآراء الشاذة، قال صلى الله عليه وسلَّم:

(عليكم بالجماعة فمن شذَّ فهو فى النار) 

   إياك أن تسمع من الشُذَّاذ الخارجين عن الجماعة، الجماعة الذين اتفق عليها علماء المسلمين واللجنة الدائمة فى المملكة العربية السعودية، اللجان العلمية الإسلامية إجتمعوا على آراء وهى التى نمشى عليها كلنا ومن خالف فليس لنا شأنٌ به.

   الركن الأول: النِّيَّةُ:

   أول ركنٌ من الأركان هو النية، والنية لابد منها لأنها فريضة، والنبى صلى الله عليه وسلَّم قال فى شأنها:

(من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له) 

من لا ينوى قبل الفجر فليس له صيام.

   صيام النفل: لو أصوم الإثنين أو الخميس أو ستة شوال أو غيرهم يصِّح النية بالنهار فى الصباح أو الظهر والنبى كان يسأل فى الصباح: هل عندكم طعام؟ فإن قالوا: لا قال نويت الصيام.

   لكن بالنسبة للفريضة لابد وأن تكون النية قبل الفجر أنوى الصيام والنية محلها القلب، أنوى بقلبى أننى صائم، فإذا تلفظت باللسان فيكون زيادة تأكيد بأؤكد على نفسى وأعلم من حولى حتى يعرفوا أن النية فريضة من فرائض الصيام.

   متى تبدأ النية؟

   تبدأ من المغرب ـ فأنا سأنوى ثم آكل وأشرب؟ وما المانع لأننى أنوى الصيام، والصيام يبدأ من الفجر، وأنا أنوى بعد المغرب صيام اليوم التالى أو بعد العشاء، وآكل وأشرب بعدها وهذا شيءٌ طبيعى لأننى نويت الصيام والصيام يبدأ بعد الفجر.

   ويُستحسن أننى أنوى كل ليلة الصيام لأن كل يوم عبادة وحده، والإمام مالك تيسيراً على المؤمنين قال: يمكننى أن أنوى فى أول رمضان بصيام الشهر كله، وأقول: نويت صيام شهر رمضان لله تعالى وانتهى الأمر.

   نفرض أننى لم أتكلم وقمت وتسحرت، والسحور أساساً للصيام فيُعتبر السحور نية للصيام، لأنه من أجل الصيام، وإذا لم آكل وشربت قليل من الماء قبل الفجر فهو أيضاً سحور لأن النبى أوصى بالسحور وقال فيه:

(تسحروا ولو بجرعة ماء) 

   وكان يقول:

   (هلموا إلى الغذاء المبارك) ـ أى وجبة السحور لأنها تعين الإنسان طوال اليوم.

   فيُستحسن تجديد النية كل ليلة ويجوز أننى أقولها مرةً فى الشهر ـ المهم أن يكون لى نية.

   باقى جزءٌ بعضنا لا ينتبه له، فنحن كلنا صلينا الآن الجمعة ونوينا لكن هل كلنا تساوينا فى الأجر؟ لا ـ الأجر على حسب النية:

(إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل أمرئٍ ما نوى) ـ كلنا ننوى الصيام، فلماذا أنوى؟ ولماذا أصوم؟

   لابد وأن أُحضِّر داخلى نية، أنا أنوى الصيام حتى يُدخلنى ربنا من باب اسمه الريان خصَّصه للصائمين وهذه نية لى، أو أنوى الصيام حتى يقينى ربنا من عطش يوم القيامة وهذه نية لى، وأنوى الصيام حتى تكون رائحة فمى يوم القيامة يشمها أهل الموقف كرائحة المسك، فهذه نية هذا الأجر، فما طلبته بنيتك أخذته من ربك، لكن إذا لم تطلب فلماذا يعطيك، فهذا على حسب النية.

   ناوى الصيام لأنه ينزل كل ليلة من السماء كشفٌ فيه سبعين ألف إسم من الناس الأحياء الصائمين ومكتوب تحتهم: [هؤلاء عتقاء الله الليلة من النار] يأخذون عتقاً من النار، ويوم الخميس ينزل كشف فيه عدد قدر بقية الأسبوع، وآخر رمضان ينزل كشفٌ فيه عدد قدر بقية الشهر.

   فأنا أنوى الصيام لآخذ عتق من النيران، فلابد للرحمن أن يضعنى فى كشف من هذه الكشوف، نفرض أن الكشوف استوفت فى هذه السنة، فإذا أحيانى للعام القادم فسيضعنى فى كشفٍ من الكشوف القادمة، المهم أن يضعنى فى كشوف العتق من النيران.

   ناوى الصيام حتى أكون قدام عرش الله وأتمتع بالنظر لوجه الله فيكون لى ذلك، إذن فلابد للمسلم أن يستحضر هذه الأشياء عند النية، يستحضر كل مرة ماشى، أو يستحضرهم كلهم ماشى:

(إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى) ـ ما تنويه تأخذ أجرك عند الله على نيتك.

   الركن الثانى:

   الركن الثانى من أركان الصيام الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهذا ما يحدث فيه أسئلة كثيرة، وأنا سأعمل لكم قاعدة أنت نفسك ستعرفها وتقدر تفتى نفسك بهذا الأمر:

   ما هو الذى يفطر الصائم؟

   أى شيء مغذى يدخل عن طريق الفم أو الأنف ويصل إلى المعدة وتتغذى به وتنتفع به.

   شيء وصل إلى الجسم من غير طريق المعدة الفم والأنف فلا يُفطر، شيء دخل هنا ولكنه ليس غذاء ولن يدخل إلى الحلق ولن أبتلعه، لا يُفطر.

   نفسِّر قليلاً:

   الطعام والشراب يدخل عن طريق الفم ويدخل الآن عن طريق الأنف للمريض الذى يضعون له محاليل عن طريق الأنف، فيصل إلى المعدة فيعتبر فاطراً.

   لكننى احتجت لأخذ حقنة عن طريق الوريد أو عن طريق العضل وليست من الفم ولا من الأنف، فجميع الحقن لا تفطر الصائم، أى لم تدخل من الطريق المعتاد، وصحيح أننا نتحرَّز ولا نأخذ الحقنة بالنهار إلا إذا كنت مضطراً، وإذا تمكنت أن أأخرها لليل يكون أفضل، ولكن جميع الحقن لا تفطر الصائم.

   نفرض أن أحداً أكل والأكل كان فيه تلوث وقالوا له: لابد من الحقنة الشرجية ـ والحقنة لن تدخل الطعام ولكنها ستنزل الطعام، فالحقنة الشرجية كذلك لا تفطر الصائم وهذا بإجماع السادة العلماء الأجلاء.

   لو وضعت قطرة فى عينيى، والحقنة ليست غذاء ولا تدخل من منفذ طبيعى فلا تفطر الصائم.

   أضع نقط فى أذنى مع الحرص إذا كنت أضع قطرة فى عينى أو النقط فى أذنى أو النقط فى الأنف فلا تفطر الصائم، فإذا وصلت إلى الحلق فلا أبتلعها، فلابد وأن أخرجها.

   أحياناً فى الصيام يأتينا بلغم ـ إسمه فى الشريعة النخامة ـ يخرج من الداخل لو خرج ولم يصل إلى الحلق وعاد مرة ثانية فلا يفطر، ولكن إذا وصل للحلق فلابد وأن أخرجه للخارج لأنه فى هذه الحالة سيفطر.

   وأنا فى آخر النهار وفى رمضان ونسيت وشربت أو أكلت قال صلى الله عليه وسلَّم:

(من نسى وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صيومه فإنما أطعمه الله وسقاه)

   طالما كان ناسياً، فلو تذكر ويوجد طعام فى فمه، فلا يبتلعه ويخرجه لأنه تذكر، فإذا ابتلعه بعد ما تذكَّر فيكون فاطراً.

   بعض الناس كما سمعت يقول: طالما أن فعلت ذلك وأصبحت فاطراً آكل طوال النهار وأكون صائماً كما قال حضرة النبى، لا ـ أنت تفترى على كلام حضرة النبى صلى الله عليه وسلَّم، هو غفر لك النسيان فعندما تتذكر فعلى الفور تخرج الماء أو تخرج الطعام، إلا إذا دخل جوفك شيءٌ لم تستطع دفعه فلا عليك.

   واحد وهو ماشى أكل اليوم وتعرَّض لهواء التكييف وأصابه بردٌ فى معدته وفوجئ أن الطعام خرج بالتقيؤ، فليس عليه شيء لأن الطعام خرج رغماً عنه شرط أن لا يبتلع منه شيئاً.

   لكن هو بطنه تعبانة وقالوا له: عليك أن تتقيأ، فإذا تقيأ هو أصبح مفطراً، قال صلى الله عليه وسلَّم:

(من ذرعه القيء ـ يعنى رغماً عنه ـ فليس عليه شيءٌ، ومن قاء عمداً فليقضى) ـ لأنه أخرجه برغبته.

   باقى نقطة مهمة والناس تقف عندها:

   أنا فى البيت ولم أنتبه وتهيأ لى أن الفجر مازال أمامه عشر دقائق فأكلت وشربت، وبمجرد ماشربت سمعت الناس يصلون فى المسجد، يعنى أكلت بعد الآذان، ولكننى عندما أكلت لم أنتبه أنه أذَّن، لا أكمل صيام هذا اليوم لحرمة الشهر ولابد أن أعيده لأن المؤمن مُكلف أن يتحرى بدقة وقت الصيام ووقت الفطر، ولابد من التحرى ـ معك موبايل شغَّل المنبه الذى فيه أو منبه جارك، أو أى أحد يرن عليك فى التليفون، والطرق كثيرة جداً لاعد لها ولا حد، ولكن المهم أن تتوثق وتتمكن ألا تأكل بعد آذان الفجر.

   ونفس الحكاية: أنا قمت من النوم وتهيأ لى أننى سمعت الآذان وأنا نائم، وقمت وشربت وفوجئت أن المغرب لم يؤذن بعد، فهذا اليوم لا بد وأن يُعاد مرة ثانية.

   فيجب التحرى جيداً وقت الصيام ووقت الفطور وهذه ليس لها رخصة فى شرع الله عزَّ وجلَّ لأن ربنا قال فى القرآن:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (آية 43 من سورة النحل)

   باقى الأمور التى نراها:

   واحد مريض بالقلب ـ ونسأل الله الشفاء من جميع الأمراض ـ وتأتيه الأزمة ويجب أن يأخذ حبة العلاج تحت لسانه ـ العلماء أفتوا أن هذه الحبة لا تفطر الصائم لماذا؟

   لأنها ليست طعام وعندما حللوها علمياً وجدوها لا تصل إلى الجوف، فليس فيها شيء.

   وواحد أيضاً شفاكم الله وعافاكم ويستخدم البخاخ، كذلك هذا البخاخ لا يفطر الصائم، صحيح هؤلاء الجماعة يُباح لهم الفطر ولكن الذى يُقرر هو الطبيب، وكذلك نأخذ القاعدة:

   متى يُباح الفطر؟ إذا كان الصيام سيزيد المرض، الصيام الذى يزيد المرض يحرم على المؤمن أن يصوم لأنه سيزيد مرضه وتعبه، ولكنه يفطر وإذا كان يتستطيع القضاء فليقضى، وإذا لم يستطع فيخرج الفدية والفدية أيضاً حتى لا نختلف فيها مثل زكاة الفطر:

   أفطر يوماً تكون الفدية عشرة جنيهات، فإذا أفطر الشهر كله وكان الشهر29 يوماً تكون الفدية 290 جنيها، وإذا كان الشهر ثلاثين يوماً تكون 300 جنيهاً.

   يصح أن يخرجهم يوماً بيوم، ويصح أن يخرجهم على دفعات ويصِّح أن يخرجهم آخر الشهر، المهم أن يخرجهم فى هذه الأيام، لكن لو يستطيع أن يقضى فينتظر حتى تأتى أيام الشتاء والنهار يكون قصيراً والجو لطيف ويقضى ما عليه من أيام أفطرها لله عزَّ وجلَّ.

   معجون الأسنان:

   معجون الأسنان شأنه شأن السواك لا يفطر الصائم بشرط أن لا يبتلع منه شيئاً، أباح الإسلام لنا استخدام المعجون وأباح لنا الإسلام استخدام السواك، بل إن فى المملكة العربية السعودية الفتوى أباحت استخدام بخاخ يطيِّب رائحة الفم، وهو موجود فى الصيدليات أباحوه وقالوا: أن هذا البخاخ الذى يجلب للفم هذه الرائحة الطيبة لا يُفطر الصائم لأن ديننا كما قال الله:

﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (آية 185 من سورة البقرة)

   هذه مجمل أحكام الصيام وباقى جزء بسيط وهو:

   هناك أمورٌ للصائم ينبغى أن يتنزَّه عنها، لأنها قد تجعل عمله غير مقبولٍ عند الله عزَّ وجلَّ، قال فيها صلى الله عليه وسلَّم:

(خمسٌ يفطرن الصائم: الكذب والغيبة والنميمة واليمين الكاذبة والنظر بشهوة)

   الكذب: من يكذب فى نهار رمضان ولا مزاح فى الكذب، حضرة النبى كان يقول:

(إنى لأمزح ولا أقول إلا حقاً) 

    قال صلى الله عليه وسلَّم:

(من كذب فقد خرق صومه)

   يكون صومه غير مقبول عند الله عزَّ وجلَّ، وقال صلى الله عليه وسلَّم:

(من لم يترك قول الزور والعمل به فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه) 

    ربنا غنىٌّ عن جوعه وعطشه، فأهم شيء أن نصوم عن الكذب.

   أما الغيبة: الغيبة ذكرك أخاك بما يكره فى عدم وجوده، لأننا يجب أن نصوم عن القيل والقال فى شهر رمضان.

   إثنتين من النساء فى عهد حضرة النبى أخذتا يتكلما، وفى نهاية النهار لم يستطيعا أن يكملا صيامهما، فأرسلا لحضرة النبى يستأذناه فى الإفطار، فأرسل مع الرسول كوباً وقل للأولى تتقيأ فيه ما أكلت والثانية تتقيأ فيه ما أكلت، الأولى تقيأت لحماً ودماً ـ من يتقيأ يتقيا ما أكله إن كان فولا أو عدساً أو غيره ولكنها تقيأت لحماً ودماً، والثانية أكملت الكوب لحماً ودماً، أخذوه لمعمل التحليل النبوى:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (آية 108 منن سورة يوسف)

   بالعين النورانية، فقال:

(هاتان صامتا على ما أحل الله، وأفطرتا على ما حرَّم الله، جلست إحداهما إلى الأخرى يغتابان الناس، فهذا ما أكلتا من لحومهم ودمائهم)

   وهل من يتكلم فى حق الواحد يكون قد أكل من لحمه؟ نسأل القرآن:

﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ ـ ماذا يأكل؟ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ (آية 12 من سورة الحجرات)

   فهذا أكل فعلاً من لحم أخيه إذا تكلم فى حق أخيه فى نهار رمضان يكون قد أكل منه فعلاً.

   وأصبح صومه ناقص الأجر والصيام، ومثلها النميمة وهى الوقيعة بين إثنين ينقل الواحد الكلام للآخر ليوقع بينهما، وهذه فتنة والفتنة أشد من القتل.

   ومثلها كذلك النظرة المحرمة للنساء الغاديات والرائحات.

   فهذه أمورٌ يجب أن نتحرَّز عنها حتى نخرج وننال:

(من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدَّم من ذنبه)

 وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

************************

المكان: مسجد النور بحدائق المعادى

التاريخ: الجمعة 4/7/2014 موافق 6 من رمضان 1435 هـ