أحدث المقالات

الحج عرفة (زاد الحاج والمعتمر)

الحج عرفة

التوجُّه إلى مِنَى: ويمكث الحاجُّ فى مكة حتى يوم التَّرْوِيَّة، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، وفى صبيحة هذا اليوم المبارك: يغتسل غسل الإحرام، ويلبس ملابس الإحرام ويصلى ركعتى سُنَّةِ الإحرام، كما فصلنا فيما سبق، ثم ينوى الحج قائلاً: (نويت الحج وأحرمت به لله تعالى، اللهم يَسّرْهُ لى وتقبله منى، لبيك اللهم لبيك، لبيك بحجة حقاً تعبُّداً ورِقَّـاً). وذلك إن كان متمتعاً، وأما القارن والمفرد، فيغتسل فقط ويجدد تلبيته.

       ويتوجه الحاج إلى منى إن كان بمفرده ليصلى هناك الظهر والعصر والمغرب والعشاء وفجر يوم عرفة، ويتوجه بعدها إلى عرفات. أما إن كان مع رفقة يصعب عليه فراقهم، أو مرتبطاً بنظام التسيير الذي تشرف عليه مكاتب الحج، واقتضى الأمر لحرص الجميع على وقوف الحجيج بعرفات، باعتبارها الركن الأعظم فى الحج أن يذهب مباشرة من مكة إلى عرفات ماراً بمنى، فلا عليه أن يتوجه مباشرة إلى عرفات سواء فى يوم التروية أو يوم عرفة، لأن المبيت بمنى ليلة الذهاب إلى عرفة من السنَّة ومن تركه فليس عليه شيء.

فضائل يوم عرفة

سبب التسمية: وقد سمى هذا اليوم بيوم عرفة لأن آدم وحواء تعارفا فيه، أو لأن سيدنا إبراهيم عليه السلام لما بيَّن له جبريل مناسك الحج قال له: عَرَفْتُ، فسمى عرفة، أو لأنه الحاج يتعرف في هذا اليوم على ذنوبه، أو على رحمة ربه وإجابة دعائه. ولهذا اليوم فضائل لا تعد منها:

1- يوم المغفرة: فإنه يوم يغفر الله عزَّ وجلَّ فيه للحجاج ذنوبهم وآثامهم لما أخبره صلَّى الله عليه وسلم فى الحديث الشريف: (إذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، فَإنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلاَئِكَةَ فَيَقُولُ: ٱنْظُرُوا إلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثاً غُبْراً ضَاحِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، فَتَقُولُ الْمَلاَئِكَةُ: إنَّ فِيهِمْ فُلاَناً مُرَهَّقاً وَفُلاَناً. قَالَ: يَقُولُ اللَّه عزَّ وجلَّ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ).

2- يوم العتق من النار: فإن الله عزَّ وجلَّ يعتق فيه كثيرا من عباده من النار لقوله صلَّى الله عليه وسلم: (وَمَا مِنْ يَوْمٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ يَنْزِلُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِأَهْلِ الأَرْضِ أَهْلَ السَّمَاءِ،فَيَقُولُ: ٱنْظُرُوا إلَى عِبَادِي جَاؤُونِي شُعْثاً غُبْراً ضَاحِينَ جَاؤُوا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ يَرْجُونَ رَحْمَتِي وَلَمْ يَرَوْا عَذَابِي، فَلَمْ يُرَ يَوْمٌ أَكْثَرُ عَتِيقاً مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ).

3- يوم استجابة الدعاء: فإن الله عزَّ وجلَّ ينظر إلى عباده فيستجيب دعائهم ويحقق رجائهم، قال صلَّى الله عليه وسلم: (الْحُجَّاجُ وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يُعْطِيهِمْ مَا سَأَلُوا، وَيَسْتَجِيبُ لَهُمْ مَا دَعَوْا، وَيُخْلِفُ عَلَيْهِمْ مَا أَنْفَقُوا، الدِّرْهَمُ أَلْفُ أَلْفٍ).

4- يوم تحمُّل التبعات: فإن الله عزَّ وجلَّ من كرمه وجوده، لا يغفر لعباده ما بينه وبينهم فقط، بل إنه عزَّ وجلَّ يتحمل عنهم التبعات – أى الذنوب التى هى فى حق العباد، وذلك فى الحديث الذي يقول فيه: (أُشْهِدُكُمْ أَني قَدْ أَجَبْتُ دَعْوَتَهُمْ، وَشَفَعْتُ رَغْبَتَهُمْ، وَوَهَبْتُ مُسِيئَهُمْ لِمُحْسِنِهِمْ، وَأَعْطَيْتُ مُحْسِنَهُمْ جَمِيع مَا سَأَلَ، وَتَحَمَّلْتُ عَنْهُمُ التَّبِعَاتِ الَّتِي بَيْنَهُمْ).

5- يوم دحر الشيطان: فقد قال صلَّى الله عليه وسلم فى سرَّ ذلك: (مَا رُؤِيَ الشَّيْطَانُ يَوْماً هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلاَ أَدْحَرُ وَلاَ أَغْيَظُ وَلاَ أَحْقَرُ مِنْهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَمَا ذٰلِكَ إِلاَّ مِمَّا يَرَىٰ مَنْ تَنَزُّلَ الرَّحْمات).

الحضور بعرفة

     وهو ركن الحج الأعظم، ولذا قال فيه صلَّى الله عليه وسلم: (الْحَجُّ عَرَفَةُ). ويبدأ بأن يصلي الحاج الظهر والعصر قصراً وجمعاً ركعتين ركعتين بآذان واحد وإقامتين، وذلك بعد سماع خطبة عرفة، والتى تكون بعد الأذان وقبل الصلاة، وذلك بمسجد نَمِرَه لمن تيسر له أو بأى مكان على أرض عرفه. على أن الذي يصلي بمسجد نمرة لا بد أن يخرج منه مباشرة بعد الصلاة إلى أرض الموقف، والتى قال فيها صلَّى الله عليه وسلم: (وَقَفْتُ هَـٰهُنَا و عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَٱرْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَة) ، وهى واد يفصل بين عرفة والمزدلفة.
ونقول: (الحضور بعرفة)!! لأنه يكفى للقيام بهذا الركن أن يحضر الحاج بأرض عرفة سواء كان قائماً أو جالساً أو مضجعاً أو نائماً، ما دام ذهب إلى هذا المكان فى الوقت بين زوال الشمس من يوم التاسع (يوم عرفة) إلى فجر يوم النحر (يوم العيد). ويكفى لإتمام هذا الركن، أن يقف الحاج على أرض عرفة ولو لحظة من الليل قبل فجر يوم النحر. أما من وقف بالنهار فلا بد أن يقف ولو لحظة بعد غروب الشمس، وإلا لو نزل قبل غروب الشمس كان عليه دم. أما من تأخر عن الحضور إلى عرفة حتى فجر يوم العيد فلا ينفع حجه، وعليه أن يعيده فى العام التالى إن أمكنه ذلك، لقوله صلَّى الله عليه وسلم: (مَنْ أَدْرَكَهُ الفَجْرُ مِنْ لَيْلَةِ المُزْدَلِفَةِ، وَلَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ، فَقَدْ فَاتَهُ الحَجُّ،وَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ مِنْ لَيْلَةِ المُزْدَلِفَةِ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجَّةِ، وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ).

سنن يوم عرفة

ومن سنن هذا اليوم المبارك:

1- أن يغتسل الحاج له قبل الزوال إن أمكن: وإلا فليتوضأ ويحرص على البقاء على وضوء طوال يومه، فكلما أحدث توضأ.
2- حضور الخطبة المقررة فى هذا اليوم قبل صلاة الظهر: بمسجد نمرة أو حيث هو.
3- أن يصلى الظهر والعصر جمعاً وقصراً بأذان واحد وإقامتين، ومن لم يتمكن من أدائها فى جماعة أداها بمفرده بهذه الكيفية.
4- الدعاء: فيشغل الحاج نفسه فى هذا اليوم بالدعاء أو الذكر أو الإستغفار أو تلاوة القرآن أو يجمع بينهما جميعاً
فقد قال صلَّى الله عليه وسلم: (أَفْضَلُ الدعاءِ دُعَاءُ يومِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ ما قلتُ أنَا والنبيونَ من قَبْلِي: لا إلَهَ إلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ).
5- صيام هذا اليوم لغير الحاج لقوله صلَّى الله عليه وسلم: (صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالَّتِي بَعْدَهُ). أما الحاج فيكره له صيام هذا اليوم ليتمكن من العبادة والدعاء، ولذا روى أبو هريرة رضى الله عنه قال: (نهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلم عن صيام يوم عرفة بعرفات)، وإن كان لا يجب على الحاج أن يُشْغَل بنهى من صام عن صيامه أو لَوْمَه، فمن شاء صام ومن شاء أفطر.

ما يُنْهَى عنه الحاج فى يوم عرفة

1- قطع أى شجرة أو جزء منها من الأشجار المزروعة على عرفات، فإن فعل ذلك فعليه أن يكفر عن ذلك بإخراج ما تيسر من الصدقات والإستغفار.
2- قتل أى حيوان أو صيده إلا العقرب أو الفأر أو السبع لإيذائهم.
3- لا يغطِّى الرجل المحرم قدميه إذا نام، لأنهما من مواضع الإحرام التى أمر الله بكشفها، وكذا رأسه إلا المظلة فقد أبيحت له.
4- لغو الكلام : وهو الكلام الذي لا فائدة فيه فضلاً عن الكلام الذي يأثم بسببه – كالغيبة والنميمة، والسب والشتم والقذف، وغيرها – فإن الحديث بمثل هذه الأمور فى هذا اليوم دليل على القطيعة من الله عزَّ وجلَّ لهذا العبد المتعدِّى الذى يخوض فى مثل هذه الأمور.

تنبيــــهات

1_- المشى فى الشمس: على الحاج أن يحترس من المشى بدون مظلة فى الشمس، أو حتى الإكثار من المشي بالمظلة فى الشمس حتى لا يصاب بضربة شمس.
2- إذا وافق يوم عرفة يوم جمعة، فليس على الحاج جمعة فى ذلك اليوم، وكذلك إذا وافق يوم العيد يوم جمعة فلا صلاة جمعة فى منى، وأيضاً لا صلاة عيد على الحجيج سواء بمنى أو بمكة، وذلك لإشتغاله بأعمال المناسك.
3- على الحاج ألا ينسى التكبير من فجر يوم عرفة إلى عصر اليوم الرابع من أيام العيد عقب الصلوات المكتوبات والنوافل والعبادات.
4- المرأة الحائض: يجب علي الحائض أن تقف بعرفة وتدعو الله عزَّ وجلَّ وتستغفر، غير أنها لا تصلى ولا تقرأ القرآن ولا تمسّ المصحف ولا تدخل المسجد.

أخطاء شائعة فى يوم عرفة

1- التنافس فى صعود جبل الرحمة: لم يثبت شيء فى هذا الشأن عن النبي صلَّى الله عليه وسلم.
2- البقاء بمسجد نمرة طوال يوم عرفة: خطأ لأن المسجد ليس كله من أرض عرفه، فيجب على من صلى به أن يخرج عقب الصلاة إلى أرض الموقف أو يذهب حيث هو بعرفة، وهناك علامات واضحة بالمسجد توضح ذلك.
3- تعجل الدفع أو الخروج من عرفات: يتعجل بعض الحجيج، فينزل من عرفات قبل غروب الشمس مما يجعل وقوفه غير تام، لأنه يشترط أن يقف بعرفات ولو لحظة بعد غروب شمس يوم عرفة.
4- تعاطى حبوب منع الحمل لمنع الدورة: بعض النسوة يتعاطين حبوب منع الحمل حتى لا تأتيها حيضتها فتتمكن من أداء المناسك، وهذا أمر لا بأس به شرعاً ، لأن سيدنا عبدالله بن عمر أباحه للنساء وكان يصف لهن ماء الآراك لذلك، وقد أباحه الأئمة فى هذا العصر بالوسائل المستحدثة والتى تنفع لذلك حتى تتمتع النساء بجمال هذه الشعائر.

****************
من كتاب: (زاد الحاج والمعتمر) لفضيلة الشيخ
#فوزي_محمد_أبوزيد#
رئيس الجمعية العامة للدعوة إلى الله – جمهورية مصر العربية