أحدث المقالات
الرئيسية / من تراث الأئمة الأعلام / زَادُ الحَاجِّ وَ المُعْتَمِر / زيارة المدينة المنورة (زاد الحاج والمعتمر)

زيارة المدينة المنورة (زاد الحاج والمعتمر)

زيارة المدينة المنورة
———–
فضل المدينة المنورة

          للمدينة المنورة فضائل عظيمة وكثيرة، لا يتسع المقام لذكرها، نكتفى منها بقوله صلى الله عليه وسلم: (اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَة)، ويقول أيضاً صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ – ينضم وينجمع – إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا). ويبيِّن صلى الله عليه وسلمصفاء جوهرها ونقاء معدنها فيقول: (إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ، تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طَيِّبُهَاأى: تخلص.

     وعندما كان صلى الله عليه وسلم عائداً من غزوة تبوك، وخرج الناس لاستقباله،وتأذّى البعض من التراب الذي ثار من أقدامهم، ووضعوا أرديتهم على أنوفهم حتى لا يشموا التراب؛ كشف صلى الله عليه وسلم اللثام عن وجهه الشريف وقال: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ فِي غُبَارِهَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ).

     ومما يدل على الغاية فى فضلها تحبيبه صلى الله عليه وسلم فى الموت بها، قوله صلوات الله وسلامه عليه:(مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا فَإِني أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا). وما أجمل قول السيدة عائشة رضى الله عنها في فضلها: (كلُّ البلاد افتتحت بالسيف، وافتتحت المدينةُ بالقرآن). وهى مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل أزواجه بها، وفيها قبره.

     وما أبهى قول الإمام مالك بن أنس رضى الله عنه حين يذكر بعض فضائلها فيقول: (والمدينة، وعلى أنقابها ملائكة يحرسونها لا يدخلها الدجال ولا الطاعون، وهي دار الهجرة والسنة، وبها خيار الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وهجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، واختارها الله بعد وفاته فجعل بها قبره، وبها روضة من رياض الجنة ومنبر صلى الله عليه وسلم، وليس ذلك في البلاد غيرها، ومنها تبعت أشراف هذه الأمة يوم القيامة).

مشروعية زيارته صلى الله عليه وسلم

          وقد اختار الله عزَّ وجلَّ لنبيه صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة ليكون التوجه إليه والذهاب إليه خاصاً بذاته الشريفة، لأنه لو كان بمكة لكان تابعاً للبيت، ومن هنا قال الله عزَّ وجلَّ:

(وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ)

(100النساء)

     فجعل الهجرة هنا إلى الله، يعنى لزيارة بيت الله الحرام، والهجرة إلى رسوله يعنى بزيارته صلى الله عليه وسلم فى مدينته المنورة. ومن هنا جعل العلماء زيارته صلى الله عليه وسلم من أوجب الواجبات على الحاج، وعَدّوا تركها بدون عذر من الجفاء الذي لا يستهان به فى مواجهة الشفيع الأعظم صلى الله عليه وسلم يوم لقاء الله، واستنبط العلماء سرّ وجوب زيارته صلى الله عليه وسلم من الآية السابقة، وأيضاً من قوله عزَّ وجلَّ:

(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا)

(64النساء)

       هذا بالإضافة إلى الأحاديث الكثيرة التي رويت في هذا المعنى، ومنها على سبيل المثال قوله عليه الصلاة والسلام:

(مَنْ زارَ قَبْرِي – أو قال: مَنْ زَارَنِـي كنتُ له شفـيعاً أو شهيداً، ومن ماتَ فـي أَحَدِ الـحَرَمَيْنِ بَعَثَهُ الله فـي الآمِنِـيْنَ يومَ القـيامةِ) (سنن البيهقي الكبرى)

ويؤكد هذا المعنى – أي: استحقاق الشفاعة بزيارته فيقول صلى الله عليه وسلم:

(مَنْ جَاءَنِي زَائِراً لاَ يَعْمَدُهُ حَاجَةٌ إِلاَّ زِيَارَتِي كَانَ حَقّا عَلَيَّ أَنْ أَكُونَ لَهُ شَفِيعَاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ)

(الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما)

ويقول صلى الله عليه وسلم أيضاً:

(مَنْ زَارَ قَبَّري وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي) (البزار عن ابن عمر رضي الله عنهما).

       ويُعَرّض بأهل الجفاء الذين يمنعون زيارته صلى الله عليه وسلم بقول:

(مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي)

(الديلمي عن ابن عمر رضي الله عنهما ومسند الإمام أبي حنيفة)

     ويردّ صلى الله عليه وسلم على من يدَّعى موته وحسب فيقول صلى الله عليه وسلم:

(مَنْ زَارَ قَبْري بعدَ مَوْتي كَانَ كَمَنْ زَارَني في حَيَاتي) (الطبراني في الكبير)

ويقول أيضاً فى الحديث الصحيح:

(مَنْ حَجَّ فَزارَ قَبْرِيَ، بَعْدَ مَوْتِـي، كانَ كَمَنْ زَارَنِـي فـي حَيَاتِـي)

(البيهقي عن عبد الله عمر رضي الله عنهما).

          ويكفى أن نعلم أنه صلى الله عليه وسلم يرد السلام على من سلم عليه فى كل بقاع الأرض، لقوله صلى الله عليه وسلم:

( مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلمُ عَلَيَّ إِلاَّ رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ)

(أبو داود عن أبي هريرة عمر رضي الله عنه)

وإخباره لنا صلى الله عليه وسلم أن صلاتنا عليه تعرض عليه فيقول صلى الله عليه وسلم:

(مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ،

فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ الصَّلاَةَ فِيهِ، فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيَّ،

قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تُعْرَضُ صَلاَتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرْمَمْتَ، يَقُولُ: بَلِيتَ ؟،

قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالٰى حَرَّمَ عَلٰى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ)

(أحمد وأبو نعيم عن أوس بن أبي أوس الثقفي رضي الله عنه).

بل أخبر صلى الله عليه وسلم أن أعمالنا تعرض عليه فقال:

(حَياتِـي خَيْرٌ لَكُمْ تُـحَدِّثُونَ ويُحْدَثُ لَكُمْ فإذا أنا مُتُّ كانَتْ وَفـاتِـي خَيْراً لَكُمْ تُعْرَضُ علـيَّ أعْمالَكُمْ

فإنْ رَأيْتُ خَيْراً حَمِدْتُ الله وإِنْ رَأيْتُ شَراً اسْتَغْفَرْتُ لَكُمْ)

(الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنه)

**********

من كتا: (زاد الحاج والمعتمر) لفضيلة الشيخ

#فوزي_محمد_أبوزيد#

رئيس الجمعية العامة للدعوة إلى الله – مصر