أحدث المقالات
الرئيسية / كتب مطبوعة / كتاب الإسراء معجزة خالدة

كتاب الإسراء معجزة خالدة

 كتاب الإسراء معجزة خالدة

فضيلة الشيخ

محمد  على سلامة

مدير أوقاف بور سعيد الأسبق

 

 

حِكْمَةُ الإِسْرَاء

      أولاً: أن يُشْهِدَ الله رسوله صلى الله عليه وسلم الآيات الكونية، والآيات الملكوتية، والآيات القدسية، وأن يكاشفه بهذه الآيات في مواقعها وعلى طبيعتها، حتى يعاينها بكل ما فيها، وما يحيط بها من معان وأسرار وغيوب.

     وكان من الممكن أن يرى رسول الله كل شيء وهو في مكانه ولكن أراد الله أن يشرف به عوالم الملك والملكوت وحضرات القدس الأعلى، وأيضا ليسري عنه صلى الله عليه  وسلم ما قد ألَمَّ به من أحزان وآلام بسبب تكذيب قومه وجحودهم له.

    والحكمة الأعلى من كل ذلك هي أن يريه الله آياته الذاتية الكبرى – وهذه الآيات القدسيَّة الكبرى هي: رؤية حضرة الذات الأحدية، منزَّهةً عن الكَمِّ والكَيْفِ والحَيْثِيَّة، بجميع جمالاتها وجلالاتها وكمالاتها، وأسمائها وصفاتها، وغيوبها وأنوارها، وبهائها وتجلياتها، وهذا سرَّ قوله تعالى:

﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى

[8- 9، النجم]

وسرَّ قوله تعالى:

﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى

[17- 18، النجم]

    والآيات الكونية التي رآها صلى الله عليه وسلم في إسرائه هي: دار هجرته، وأرض مدين، وقبر موسى عليه السلام، وبيت لحم مكان مولد المسيح عليه السلام، والمسجد الأقصى، والصخرة.

   والآيات الملكوتية مثل: الجنَّة، والنار، وعالم السموات، والرُّسُل والأنبياء، وأحوال المكذبين والكافرين وكذلك رؤيته للملائكة وعمار السموات والحديث إليهم وسدرة المنتهى والبيت المعمور وكل ما أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم من غيوب هذه الرحلة، والله سبحانه هو الذي أراه هذه الآيات بقدرته وبحكمته كما قال تعالى:

﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ

[1، الإسراء]

        كما أنه سبحانه هو الذي أسرى به صلى الله عليه وسلم بقدرته ومشيئته، والرسول هو المسرى به إلى حيث شاء الله سبحانه وتعالى، فليس له صلى الله عليه وسلم اختيار في ذلك، ولا تصريف مع الله عزَّ وجلَّ، وإنما هو الفرد المطلوب للحضرة الأحدية والمصطفى المحبوب للذات الأحدية.

       والإسراء صفة من صفات الله عزَّ وجلَّ التي وصف بها نفسه فكما تقول: (سبحان الذي خلق الكون)، (سبحان الذي رزق الخَلْقَ)، (سبحان الذي رفع السماء وبسط الأرض)، تقول: (سبحان الذي أسرى بعبده).

      والمؤمن قد آمن وصدق بكل صفات الله التي أخبرنا الله بها عن نفسه، والتي أخبرنا بها رسوله صلى الله عليه وسلم، وحيث تقرر أن الإسراء هو من فعل الله تبارك وتعالى، ومن الصفات التي وصف بها نفسه عزَّ وجلَّ فلا غرابة إذن في حادثة الإسراء والمعراج، فإن الأمر إذا نُسِبَ لله فهو فوق العقل، وفوق جميع المدارك الإنسانية، التي لا يملك العقل الإنساني إلا التسليم بها والتصديق بشأنها.

    ثانيًا: إن الإسراء كان قبل الهجرة بوقت يسير، وذلك لأن الهجرة جهاد شاق يقوم به المؤمنون والمؤمنات، حيث تكون الهجرة بمفارقة ديارهم وأموالهم ومصالحهم وأهلهم نصرةً لله ولرسوله، وهذا العمل الكبير لا يقوم به إلا الصادقون من المؤمنين والمؤمنات والراسخون في العقيدة منهم – فكان الإسراء بمثابة تمحيص واختبار لصدق إيمانهم، وقوة عقيدتهم، ليَمِيزََ اللهُ به الخبيث من الطيب، ويتبيَّن أهل الصدق من غيرهم، حتى إذا ما أمر الله بالهجرة استجاب لها أقوياء الإيمان وصادقوا الإسلام.

     ولقد ارتد ناس عن الإسلام بسبب هذه المعجزة، فكانت بحق معجزة فارقة بين الحق والباطل!! وبين أدعياء الإيمان والصادقين من المؤمنين!!

    ثالثاً: ومن حكمة الإسراء أيضًا – أن الدعوة إلى الله قبل الإسراء كانت بسيطة، ولا كَلَفَةَ فيها ولا مشقَّة، وكانت عبارة عن أمرين اثنين: توحيد الله والتصديق برسالة النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وباليوم الآخر والملائكة والكتب والرسل. والأمر الثاني ترك عبادة الأصنام وتقديسها. وهذان الأمران يستطيع كل إنسان أن يتقبلهما، ويقوم بهما بيسر وسهولة إذا استعمل عقله وفكر ولو قليلاً، لأنها الفطرة الموجودة في طبيعة كلِّ إنسان تجرَّد عَقْلُهُ مِنْ الحظِّ والهَوَى، والعصبية والجدل والمكابرة.

     أما الإسراء فقد جاء بعده عهد جديد، هو عهد التكاليف الشرعية، والانتقال بالمؤمن من أعمال القلوب والعقول إلى مجهود يقوم به بجسمه وجوارحه، فضلاً عن قلبه وعقله، فَشُرِعَتْ الصلاة، وهي تحتاج من كل مؤمن ومؤمنة إلى معرفة أحكامها وآدابها، وشروطها ومواقيتها، وكيفياتها ونظامها وهيئاتها، فضلاً عن خشوعها واعتقادها، والمحافظة عليها والتطهر لها، وهي مجهود مطلوب من المؤمن في اليوم والليلة خمس مرات، بالصورة التي بيَّنها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

     فالإسراء كان فاتحة عهد جديد، ومرحلة أخرى من مراحل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فانتقل المؤمنون من بساطة الإيمان ويسره إلى مجاهدات الإسلام وأعماله وأحكامه وتشريعاته، وهو عمل يتطلب بذل الطاقة والوسع في سبيل الإسلام، فبعد أن كان رسول الله يقول للناس:

(أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا)

(البخارى ومسلم وأحمد عن ابن عمر رضى الله عنهم)

و (قولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله أشهد لكم بها عند ربي، وأشفع لكم بها بين يديه

أصبح يقول للناس – وللمؤمنين خاصة: أقيموا الصلاة، بالطريقة التي رسمتها لكم بفعلي، وبيَّنتها لكم بقولي: (صلوا كما رأيتموني أصلى) (متفق عليه)

       فكان الإسراء بحق انتقال بالمجتمع كله – المسلم والكافر – إلى حركة وعهد جديد، فالكافرون أمعنوا في الإيذاء والاعتداء على الرسول وصحابته، والمؤمنون ازدادوا إيمانًا مع إيمانهم، واستبشروا بفريضة الصلاة التي فرض الله عليهم خيرًا ورحمة وفتحًا جديدًا، والمنافقون ارتدوا على أعقابهم عن دين الله لأن قلوبهم لم تطمئن بالإيمان، وليس الإسراء كما يقولون رحلة ترفيهية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب ما أصابه من أذى قريش والطائف ومن حولهم، وبسبب موت عمه أبي طالب، وزوجه خديجة رضي الله تعالى عنها، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كمال الرضا عن الله عزَّ وجلَّ، والأنس بجنابه العليّ، والفرح بقضائه وقدره سبحانه وتعالى.

      رابعاً: وقد كان الإسراء معجزةً تحدى الله بها الكافرين، لتقوم الحجة عليهم بأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عبدُ الله ورسولُه، المؤيد من الله بالمعجزات الباهرات التي يعجز الناس جميعاً من أولهم لآخرهم، والجن والملائكة من أولهم إلى آخرهم، عن الإتيان بهذه المعجزة أو بشيء منها. وبهذه المعجزة يقول الله للناس جميعًا: (هذا عبدي ورسولي ونبيِّي، وقد أيدته ونصرته بهذه المعجزة لتؤمنوا به وتصدقوه، أو فأتوا بمثلها إن كفرتم به وكذبتموه).

     ووقف الكل أمام هذه المعجزة حائراً ومبهوتًا وعاجزاً وضعيفاً، صنع الله الذي أتقن كل شيء، ولن تجد لسنة الله تبديلاً.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

٭ ٭ ٭ ٭ ٭ ٭ ٭ ٭

تسليم الأنبياء على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء

        وقد ورد في الحديث الشريف برواية البيهقي عن أنس رضي الله عنه(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ في ليلة إسراءِه بجماعة فسلموا عليه، فقالوا: السلام عليك يا أول، السلام عليك يا آخر، السلام عليك يا حاشر، فرد عليهم رسول الله السلام، وقال له جبريل: هؤلاء إبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام).

      وفي الحديث بيان لبعض مقامات رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفاته التي أكرمه الله بها، وهي:

أولاً: أنه صلى الله عليه وسلم أول من خلقه الله تبارك وتعالى، فلم يخلق الله شيئًا قبله على الإطلاق، وقد سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول شيء خلقه الله وكان السائل سيدنا جابر رضي الله عنه فقال له رسول الله: (نور نبيك يا جابر) (رواه عبد الرازق وذكره القسطلاني في المواهب اللدنية)

      ثانياً: أنه صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء وخاتم المرسلين فلم يكن هناك نبي بعده وإن طال الزمان، وقد أقر المرسلون السابقون  صلوات الله وسلامه عليهم بذلك في تسليمهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد صدق القرآن على ذلك بقوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ[40، الأحزاب].

      ثالثاً: أنه صلى الله عليه وسلم حاشر، يعني: هو الذي يحشر الناس إلى يوم القيامة بمعنى أن زمنه صلى الله عليه وسلم يمتد إلى أن تقوم الساعة، فلم يكن هناك رسول يأتي من بعده يُحْشَرُ الناس إلى الله على يديه، وإنما يقوم الناس من قبورهم ويحشرون إلى ربهم على يدي آخر الأنبياء وخاتم المرسلين عليه الصلاة والسلام، ولذلك كان أو شافع وأول مشفع لأن الخلق كلهم يحشرون على يديه، فكان جديرًا بأن يكون أول من يتكلم في شأنهم، ويرفع أمرهم إلى الله عزَّ وجلَّ إذ أنه أعلم الرسل والأنبياء بحالهم وشأنهم لأنه الرسول المباشر لحياة العالم كله، إما عن طريق القرآن الكريم، وإما عن طريق ما أخبره الله به مباشرة من غير واسطة، كالأحاديث التي ذكر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أحوال الناس وأطوارهم، وشئون الناس وأدوارهم، من يوم آدم إلى يوم القيامة.

    هذا وقد ورد في أحاديث المعراج أنه صلى الله عليه وسلم لما صعد إلى السماء الأولى استقبله فيها أبونا آدم عليه السلام، فنظر صلى الله عليه وسلم فوجد نفسه جالسًا على يمين آدم عليه السلام. وهذا أمر فوق مدارك العقول الكاملة، بل فوق مدارك الأرواح العالية، وهذه الأخبار تحتاج من كل مؤمن ومؤمنة إلى التصديق بها والتسليم لها، لأنها من الأمور الغيبية التي يجب الإيمان بها بعد سماعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا المشهد يشير إلى معنيين كبيرين وأصلين عظيمين:

أولهما: أن أبانا آدم هو الأب الأول للبشرية الذي تنتسب إليه كل الأجناس من بني الإنسان على اختلاف ألوانهم وألسنتهم وأوطانهم.

ثانيهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أب لكل الأرواح والحقائق الإنسانية – وخاصة المؤمنون والمؤمنات – فهو صلى الله عليه وسلم الأب الروحاني لكل الأرواح العاقلة من الإنس والجن والملائكة، ولذلك تواجد الأبوان في مركز واحد لأن الجسم لا يقوم إلا بالروح وكذلك الروح لا تستكمل رقيها وجمالها إلا بوجودها في الجسم، وهذا معنى تواجد الأبوان إلى جوار بعضهما في السماء الأولى.

     فرسول الله صلى الله عليه وسلم يشير إلى الروح والحقيقة، وأبونا آدم عليه السلام يشير إلى الهيكل والصورة، فآدم عليه السلام أبو البشر كلِّه بالجسم والصورة والعناصر والمادة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أبو الإنسانية كلِّها في الروح والمعنى والحقيقة والأصل، وحيث أن رسول الله خلقه الله من نوره، فإن النور هو أصل كلِّ شيء، وإن الظلمة طارئة عليه، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نور كلُّه، أصلاً وبدءًا، ونهايةً وختمًا، قال صلى الله عليه وسلم في حديثه الطويل:  (واجعلني كلي نورًا)  (مسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما).

        ومعنى ذلك اجعل ظاهري وباطني، وكل جسمي وحقيقتي، وكل حسي ومشاعري، وكل روحي وهيكلي – اجعل ذلك كلًّه نورًا ذاتيًا في نفسي، ونورًا معنويًا يضيء لعبادك سبيل الهدى والرشاد. وفي هذا المعنى يقول الإمام أبو العزائم رضي الله عنه:

يَا نُورَ قَلْبِـي وعَيْنِي      أَخَذْتَ قَلْبـِيَ مِنِّي

خُذْ هَيْكَلِي يَا حَبِيبِي      وَبِالوِصَـالِ أَرِحْنِي

أُذُنِي وَقَلْبِـي وَعَيْنِي      تَشْـتَاقُكُمْ بِالتَّمَنِّي

وقوله رضى الله عنه:

يَا ضِيَاءاً أَضَاءَ لِلأَرْوَاحِ          فَهَدَاهَا لِحَضْرَةِ الفَتَّـاحِ

وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا[45- 46، الأحزاب]. والسراج المنير هو المصباح الذي يسرج وينير الكواكب والأقمار والنجوم المعنوية من بني الإنسان وغيره من العوالم العاقلة، وهذه الإنارة تكون من غير حرارة ولا لهب، وهذا بخلاف شمس الكون فإنها سراج وهاج، أي ذو حرارة ولهب، وتوهج وإضاءة. قال الله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا[13، النبـأ]. وقد بين الحقُّ تبارك وتعالى بهذه الآية الشريفة حقيقة شمس الكون التى تشرق علينا صباحاً وتغرب عنا كل مساء.

****************