أحدث المقالات
الرئيسية / غير مصنف / وداع شهر رمضان

وداع شهر رمضان

وداع شهر رمضان

——————–

فيا أيها الأخوة المؤمنون: ونحن في – اليوم الأخير – من شهر رمضان وقد صحبناه كل هذه الأيام، ماذا وجدنا في صحبته؟، وماذا وجدنا في جواره؟، وماذا وجدنا في ظله؟!!

لم نجد إلا كل خير وبرّ، نجد أنفسنا وقد أقبلت على الطاعات بعد طول جفاء، وأجسامنا وقد صحت من الأمراض والأسقام باتباع تعاليم الإسلام وأحكام الصيام، ونجد الجوارح وقد بعدت فيه عن الآثام، ونجد الوقت كله فيه في طاعة الملك العلام عزَّ وجلَّ.

فإذا نمت في رمضان فنومك عبادة، وإذا سكت فيه فسكوتك تسبيح، وإذا دعوت فيه فدعاؤك مستجاب، وإذا عملت فيه عملاً من أعمال البر والخير فعملك مضاعف الأجر والثواب، وإذا وفدت فيه على أهلك وأنفقت عليهم من الخيرات وأنواع المطعومات والمشروبات، فإن المال الذي تنفقه عليهم – له من الأجر كأجر المال الذي ينفق في سبيل الله عزَّ وجلَّ كما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: { نفقة الصائم على أهله كالنفقة في سبيل الله عزَّ وجلَّ الدرهم بمائة ألف درهم }[1]. وورد أَنَّ عُمَرَ رضّى الله عنه قَالَ: { إِذَا حَضَرَ شَهْرُ رَمَضَانَ فَالنَّفَقَةُ فِيهِ عَلَيْكَ وَعَلى مَنْ تَعُولُ كَالنَّفَقَةِ في سَبِيل اللَّهِ تَعَالى، يَعْنِي الدرْهَمَ بِسَبْعِمَائَةٍ}[2].

عباد الله جماعة المؤمنين:

إن الإنسان منا لو صاحب رجلاً – ولو في مدة سفر – ووجد منه حلاوة العشرة وطيب الصحبة وخيرة الرفقة، يحزن على فراقه، بل ربما يبكي على فصاله، لأنه وجد شخصاً عزيزاً اجتمعت فيه خصال الخير، وجرى له على يديه منه أبواب البر، فيحزن عليه لأن الزمان لا يجود بالخيرين إلا بالقليل وأقل من القليل. فما بالكم وهذا الذي صحبناه شهرٌ كامل، لم نجد منه إلا الخير، ولم نر منه إلا البرَّ؟!!!. جمعنا حتى على موائد الطعام بعد تفرقة، فبعد أن كان هذا يأكل في الصباح وآخر في المساء وواحد في الظهيرة جمع الجميع بل جمع جميع المسلمين شرقاً وغرباً وجعلهم جميعاً يمتنعون عن الطعام في وقت واحد، ويأكلون جميعاً في وقت واحد، إطاعة للواحد عزَّ وجلَّ، وكأنه يقول لهم: كما جمعتكم على الطعام فاجتمعوا على طاعة الملك العلام! كما جمعتكم على مائدة الخير والبركات، فأجمعوا أنفسكم على مأدبة الله في أرضه وهي كلام الله وتنزيل الله وكتاب الله عزَّ وجلَّ.

بدَّل النوايا فجعل الإنسان منا يخرج الأضغان والأحقاد والأحساد من قلبه ويملأ فؤاده ولبه بالحب لجميع المسلمين، والرغبة الأكيدة في سعادة جميع المؤمنين، يريد أن يصنع الخير ويريد أن يعمل المعروف، ويريد أن يقوم بالبر لأنه في شهر البرِّ، والبرُّ ثوابه الجنة …

زهَّد النفوس في المعاصي وأمسك منها بالنواصي، وجعلها لا تتحرك إلا في طاعة رب العالمين وأرحم الراحمين عزَّ وجلَّ، حتى لو أرادت النفس أن تخرج عن سجيتها وفطرتها وتتجاوز حدودها في التعامل مع الآخرين – بأن تصل إلى درجة الإيذاء أو السبِّ أو الشتم أو اللعن – يسرع بتذكيرها بقول نبيِّها: { إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ. إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ}[3].

فتح شهية المؤمنين على البرِّ والخير الذي كانوا عنه معرضين، فتجد الإنسان في غير رمضان لا يحن لسماع كتاب الله، ولا يفكر في المداومة على تلاوته، بل ويعلق المصحف في بيته أو في سيارته أو في محلة عمله للزينة والبركة فقط ويهجر تلاوته، مع أن الرسول أخبرنا فيما أنزل عليه الله أن هذا القرآن يشكو الهاجرين له يوم لقاء الله: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) (30الفرقان)، فإذا جاء شهركم الكريم انشرحت الصدور لتلاوة هذه السطور المكتوبة بأحرف النور لتنال في النهاية مغفرة الغفور عزَّ وجلَّ، وتبدلت النفوس بدلاً من أن تحن إلى الغي والقبيح تجدها ترغب في فعل كل شئ جميل ومليح، فتريد أن تصل أرحامها، وأن تخرج زكاة مالها وزرعها، وأن تبرَّ فقراءها، وأن تحسن إلى جيرانها، وأن تراقب ربَّها في كل أمر صغير أو كبير، جليل أو حقير، وكل هذا ببركة شهركم هذا الكريم.

فما أعظمه من شهر! وما أحسنه من صاحب! يبكي لفراقه المؤمنون، ويحزن لانصرامه الموحدون، ويحن إليه المحسنون، ويتمنى الموقنون أن يكون في العام كله كما قال سيد الأولين والآخرين: { لَوْ يَعْلَمُ العِبَادُ مَا فِي رَمضانَ لتمنَّتْ أُمَّتِي أَنْ تَكونَ السَّنَةُ كُلُّها رمضانَ}[4].

ثم هذا الصاحب الذي لا نستطيع أن نعدَّ فضائله ولا أن نحصي مزاياه، لا يتركنا يوم لقاء الله!، فإذا جاء الموقف العظيم وخرجنا من القبور إلى ساحة النشور!، وجدناه في انتظارنا، يضع المسك على أفواهنا، فنمشي في أرض القيامة وقد علت رؤوسنا وفاحت رائحة المسك من أفواهنا حتى تعم أهل الموقف جميعاً فيتساءلون؛ يتساءل الملائكة الكروبيون، ويتساءل النبيون والمرسلون: ما هذه الرائحة العطرة؟، فيقول الله: هذه رائحة أفواه عبادي الصائمين لشهر رمضان من أمة حبيبي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.

فإذا صرنا إلى أرض الموقف وأخذنا فيه مواقعنا والموقف يطول ويطول: (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) (4المعارج)، يوم واحد ولكن طوله قدر خمسين ألف سنة مما نعد، وفي هذا اليوم لا توجد بحار ولا أنهار ولا تنزل السماء أمطار، لأن الشمس قد كورت، وذهب الليل والنهار، ولا يوجد نور، لأن الشمس انمحقت والقمر قد استدار وألقيا بهما في النار!! يبحث الإنسان عن شربة واحدة فلا يجدها! ويبحث عن مكان يأوى إليه من حر ها اليوم وحرارته فلا يجده، لا أشجار ولا أسقف ولا منازل بل الساحة واسعة، أرضها من فضة وسماؤها صحو مكشوفة وليس فيها ظل إلا مكان واحد ظليل هو ظل عرش الرحمن عزَّ وجلَّ.

ماذا يفعل عندها رمضان لأحبابه؟ وكيف يكشف الضر عن أصحابه؟ يسقي الصائمين من حوض الكوثر الذي جهزه الله عزَّ وجلَّ لسيد الأولين والآخرين وقال فيه صلَّى الله عليه وسلَّم: {حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، زَوَايَاهُ سَوَاءٌ، أَكْوَازُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ الثَّلْجِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَأَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَداً}[5].

من الذي يشرب منه؟ الذي حجز له في شهر رمضان كوزاً من حوض النبي العدنان، وسجل عليه اسمه ووكل به ملكاً يحفظه إلى يوم القيامة، يوم الوقت المعلوم. فإذا قامت الأرواح تلبية لنداء الحي القيوم، ونفخ في الصور فإذا هم قيام ينظرون، جاء الملك الموكل بك ومعه الكوز أو الكوب المكتوب عليه اسمك، وهنأك بسلامة الوصول وسقاك هذا الماء الذي هو علامة القبول فشربت شربة لا تظمأ بعدها ولا تعطش مع طول الموقف العظيم، إكراماً من شهر الخير وشهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة. فالذين لا يعطشون ولا يظمئون هم أنتم وحدكم جماعة الصائمين!.

أما المفطرون والجاحدون والمنكرون والمشركون والكافرون فيصف حالهم سيد الأولين والآخرين فيقول فى معنى الحديث: إن ألسنتهم تلهث من شدة العطش كما يلهث الكلب حتى يبلغ طول اللسان من شدة اللهث أن يصل إلى الأرض، ويطأه صاحبه بقدمه، ولا مغيث ولا مجير، لأنه لم يستجب في دنياه للعلي القدير عزَّ وجلَّ !!!!

ثم بعد ذلك لا يتركك الصيام ولا شهر رمضان عند هذا الحد بل يأخذ بيدك ويذهب إلى حضرة الله ويقول { أيْ رَبِّ مَنَعتُه الطَّعَامَ والشَّهْوَةَ فَشَفِّعْنِي فِيهِ } [6]، يطلب أن يشفع فيك من الله عزَّ وجلَّ ويجيبه الله ويأذن له في الشفاعة فإذا شفع فيك الصيام أخذ بيدك من الموقف وأجلسك تحت ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله. فتجلس على الأرائك كما يقول الله: (عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ. تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ. تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ. خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) (23: 26المطففين).

تجلس على الأرائك أي على المقاعد اللينة الوثيرة والملائكة يطوفون عليك بالروح والريحان وقد فتحوا لك باباً من الجنان يأتي إليك منه الروح والريحان فلا تحس بطول الموقف ولا تحس بعناء الموقف بل يمر عليك كما قال سيد الأولين والآخرين: { يمر يوم القيامة على المؤمن كصلاة ركعتين خفيفتين }[7] !!!

ما أعظم بركة هذا الشهر! ما أعظم بركة الصيام يا جماعة المؤمنين! وهذا الذي جعل سلفنا الصالح يقضون الأيام الباقية منه في الحنين والأنين والتوحش على انتهاء الشهر الكريم، شهر تتفتح فيه بركات الأرض وتنزل فيه خيرات السماء، تنزل فيه الملائكة من السماء إلى الأرض معهم الخيرات ومعهم البركات ومعهم المنشورات بسعادة المؤمنين وتوفيق الموحدين، شهر ينظر الله عزَّ وجلَّ فيه إلى عباده فيرحم ضعفهم، ويشفي أمراضهم ويعتق معظمهم من النيران ويبدل حالهم إلى أحسن حال، شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار.

وحتى لا يفوتنا بركة هذا الشهر ونحن لا يسلم حالنا من الذنوب والعيوب أوصانا النبي المحبوب عليه أفضل الصلاة والسلام أن نفعل شيئاً يسيراً يطهر الله عزَّ وجلَّ به صيامنا من العيوب ويجعل عملنا مقبولاً عند حضرة علام الغيوب ما هذا الشئ الذي يمحو عيوب الصائمين؟ ويمسح أثقال الصائمين وينقي صومهم كأنه غربال يغربل الأعمال فيخرج منه الغث ولا يبقى إلا الخير لأن الله لا يقبل إلا الخير: { إِنَّ الله طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إلاَّ طَيِّباً }[8]، هو زكاة الفطر.

تخرج الزكاة فتطهر صومنا من اللغو ومن الرفث، ومن الذنوب والعيوب، وتهيئ العمل وتزين العمل وتسد ما فيه من خلل، وتجعله مملوءاً بالخشوع والانكسار لله والوجل، حتى يباهي الله عزَّ وجلَّ بهذا العمل ملائكته ويقول { يَا مَلاَئِكَتي، مَا جِزَاءُ الأَجِيرِ إِذَا عَمِلَ عَمَلَهُ؟ فَيَقُولُونَ: جَزَاؤُهُ أَنْ يُوَفَّى أَجْرَهُ، فَيَقُولُ: فَإِني أُشْهِدُكُمْ أَني جَعَلْتُ ثَوَابَهُمْ مِنْ صِيَامِهِمْ شَهْرَ رَمَضَانَ وَقِيَامِهِمْ، رِضَائي وَمَغْفِرَتي }.[9]

ما أسهل هذا العمل!! وهي زكاة الفطر – في مقابل هذا الجزاء العظيم من الرب العظيم الكريم عزَّ وجلَّ، وتخرج عن الجميع، حتى الذي يولد ليلة الفطر تخرج عنه هذه الزكاة، وميعاد هذه الزكاة يمتد من وقتنا هذا إلى صلاة العيد، ولابد أن تخرجها قبل صلاة العيد لقول الحميد المجيد: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) (14، 15الأعلى)، والصلاة هنا هي صلاة العيد …. أو كما قال ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.

—————————————————————————-

[1] رواه ابن سعد وذكره في الفتح الكبير عن حمزة.

[2] عن ثور بن يزيد سليم الرازي في عَوَالِيه

[3] رواه ابن حبان عن أبي هريرة.

[4] رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير وابن خزيمة في صحيحه والبيهقي من طريقه عن أبي مسعود الغفاري.

[5] الطبراني عن ابن عبَّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهُمَا

[6] رواه البيهقي في شعب الإيمان وأحمد في مسنده والطبراني في الكبير عن عبد الله بن عمر.

[7] رواه أحمد في مسنده وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه والبيهقي في كتاب البعث والنشور عن أبي سعيد الخدري.

[8] رواه الترمذي في سننه وأحمد في مسنده والدارمي في سننه ومسلم في صحيحه عن أبي هريرة.

[9] رواه الأصبهاني في الترغيب والترهيب عن أبي هريرة.

**************************

من كتاب الخطب الإلهامية جـ5

فضيلة الشيخ فوزى محمد أبوزيد