أحدث المقالات
الرئيسية / غير مصنف / حكم الدين في احتفال المسلمين بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم

حكم الدين في احتفال المسلمين بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم

حُكْمُ الدِّينِ في احتِفَالِ المُسْلِمِينَ

بِمَوْلِدِ رَسُولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم

فضيلة الشيخ محمد علي سلامة – مدير أوقاف بور سعيد الأسبق

سؤال: هل الاحتفال بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعة؟

الجواب: اعلم يا أخي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أصل كل موجود، وهو رحمة الله بكل مخلوق. عَلِمَ هذه الحقيقة من أسعده الله بالمعرفة والعلم الحقيقي، وجهل بها من تنكب الطريق المعتدل السوى.

واعلم أن كل مسلم في احتفال دائم، واهتمام بالغ برسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمسلم إذا سمع ذكر رسول الله بادر بالصلاة والتسليم عليه، وإذا تذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم حَنَّ واشتاق إليه، لأنه يعلم أن رسول الله أولى به من نفسه ومن كل شئ بعد الله سبحانه وتعالى، ويعتقد أن رسول الله هو أصل عزِّه ومجده وسعادته في الدنيا والآخرة.

ولذلك فالمسلم على أقل تقدير، يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحتفى به – في كل آذان وإقامة، وفى كل صلاة فرضاً ونفلاً – كل يوم وليلة أكثر من ستين مرة، وهذا فضلاً عن خارج العبادات، فإن رسول الله لم يغب عن أي مسلم من المسلمين وقتاً من الأوقات، وإنما عندما تأتى على المسلم أيام مولده صلى الله عليهوسلم يتذكر أن هذه الأيام هي بداية إشراق شمسه على الكائنات الأرضية والحسية.

ويتذكر كذلك أن هذه الأيام هي بداية السعادة الكبرى لهذه الكائنات، فيزداد فرح المسلم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقوى رعايته لفضل الله عليه في هذه الأيام، وتعظم حفاوته برسول الله، وتزكو بهجته ومسراته فيها، واتخذ من هذه الأيام عيداً أكبر يوسِّع فيه على نفسه وعلى عياله وأهله وعلى فقراء المسلمين، فرحاً بنعمة الله الكبرى عليه التي أكرمه الله بها في هذه الأيام، وهى ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ورد في الأثر: (من فرح بنا فرحنا به).

ولا تعجب يا أخي إذا سمعت أن أبا لهب لعنه الله، يخفف عنه العذاب كل يوم اثنين لأنه فرح بميلاد ابن أخيه محمد بن عبد الله، فأعتق جاريته ثويبة عندما بشرته بمولده صلى الله عليه وسلم، مع أنه لم يعلم أنه رسول الله، ومع ذلك قد خفف عنه العذاب في كل يوم اثنين لفرحه بهذا المولود العظيم صلى الله عليه وسلم.

وربما تسأل: وهل يوم القيامة يكون فيه يوم اثنين أو ثلاثاء مع أن حركة الفلك قد انتهت؟

فأقول لك: إن كل شئ عند ربنا سبحانه وتعالى بحساب ومقدار، ولن يضل ربك ولن ينسى، فكلما مرت فترة من الزمن تساوى أسبوعاً وجاء موعد يوم الاثنين خفف عنه العذاب مقدار زمن هذا اليوم.

فإذا كانت هذه المعاملة الكريمة من الله عزَّ وجلَّ لهذا الكافر العنيد جزاءً من الله له على فرحه بميلاد ابن أخيه، وإعتاقه جاريتة حين بشرته بمولده صلى الله عليه وسلم، فكيف يكون إكرام الله للمؤمنين الذين يفرحون به دائماً كل وقت وحين، وتقوى وتزداد فرحتهم في أيام مولده الشريف فيتصدقون ويبذلون، ويفعلون الخير فرحاً بفضل الله وبرحمته التي غمرتهم في ربيع الأول من كل عام هجري؟!!

واعلم يا أخي أن هذا العمل من أجلِّ القربات إلى الله عزَّ وجلَّ في أيام مولده الكريم، وأن ما يقوم به المسلمون اليوم – من إقامة الزينات، ونشر الأعلام وتبادل الزيارات، وصلة الأرحام، وتوزيع الحلوى على الإخوان والأقارب والفقراء ابتهاجاً بهذه المناسبة السعيدة – مظهر كريم، وعمل لا ينكره الشرع االشريف بل يحبِّذه ويقرُّه حتى يتنبَّه الغافل، ويتذكَّر الناسي لفضل رسول الله عليه.

فقد كان العالم قبل إشراق شمسه في جهل وظلم وكفر، وشرك وضلال مبين، فلمَّا ولد صلى الله عليه وسلم عمَّت الخيرات والرحمات، وتنبَّه العالم بظهور العلامات والبشائر والإرهاصات، التي شدَّت المجتمع الإنساني من أقصاه إلى أقصاه، وأخذ يتساءل عن سرِّ ظهور هذه الأحداث، وكان الرد من أهل الأديان والكهَّان والرهبان وغيرهم بأن النبي الخاتم والأخير قد ولد وأشرقت أنواره على سكان هذا الكوكب الأرضي.

ولا تعجب يا أخى إن قلت لك أن العوالم كلَّها قد ابتهجت بمولده صلى الله عليه وسلم، فقد حضر مولده السيدة مريم ابنة عمران والسيدة آسية امرأة فرعون ومعهما الحور الحسان للتحية والإكرام، وشهدت الملائكة هذا المولد السعيد، فحفَّت بيت السيدة آمنة رضي الله عنها بأجنحتها النورانية،ونصبت الأعلام على الكعبة المقدسة وفى المشرق والمغرب، وبشَّرت العوالم بعضها بعضاً بمولده صلى الله عليه وسلم .

كل هذا وارد في صحيح السنة المطهرة، وبهذا تكون عوالم الروح قد اشتركت مع عوالم الكون في هذه المناسبة الكبرى؛ فقد تصدَّع إيوان كسرى، وخمدت نار فارس التي يعبدونها ولم تخمد منذ ألف عام، وأهلك الله جيش أبرهة الذي جاء لهدم الكعبة، وغير ذلك من الأحداث العظام التي هزَّت العالم هزًّا قويًّا. كل هذا إيذاناً وإعلاناً وابتهاجاً بمولده صلى الله عليه وسلم الذي محى الله به الظلم والكفر والفسوق والإجرام.

ثم اعلم يا أخي أن احتفال المسلمين بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأي شئ يكون؟

أولاً: يكون باجتماع الناس على مدارسة سيرته وحياته وشمائله وآدابه وسلوكه ومبادئه وأحكام دينه الشريف، وهذا واجب من واجبات الإسلام دعا الله ورسوله إليه.

ثانياً: يكون بتلاوة القرآن الكريم واجتماع الناس حوله، واستماع الناس له، وذلك واجب آخر من واجبات الإسلام.

ثالثاً: يكون باستماع المدائح والقصائد التي تشيد بشأنه صلى الله عليه وسلم، وتذكر ما أكرمه الله به من المعجزات والآيات والمكرمات وذلك من الدين أيضاً، فقد كان الشعراء يمدحون رسول الله صلى الله عليهوسلم ويثنون عليه في زمانه ولم ينكر عليهم، بل كان يدعو لهم صلى الله عليه وسلم ويكافئهم على ذلك – ومنهم حسان بن ثابت.

وإنا نود هنا أن نعلِّق على بعض ما تتضمنه تلك المدائح أو القصائد مما قد يدعيه الخائفون على الله ورسوله – ولا يخافون على أنفسهم من الافتراء على الله ورسولهـ أنه غلو في الدين أو شرك أو كفر. فقد تتضمن تلك المدائح التعبير عن الحبِّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإظهار الاشتياق إليه، وطلب المدد والنظرة والغوث منه، أو وصفه صلى الله عليه وسلم بأنه يعلم الغيب أو يخبر به، أو غير ذلك من الصفات والمعاني التى تكشف عن أخلاقه ومعجزاته وأعماله وشمائله عليه الصلاة والسلام.

وإني أبين ذلك، فأقول ـ وبالله التوفيق:

إن حبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعتبر غلواً في الدين ولكنه فريضة على كل مسلم ومسلمة، لدرجة أن المسلم يجب عليه شرعاً أن يضع نفسه وماله وأهله فداءً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفداءً لدينه الشريف. فقد ورد في الحديث الشريف:

(لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)[1].

وقوله صلى الله عليه وسلم:

(لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه)[2].

وفى الحديث الصحيح:

(ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار)[3].

وأما طلب المدد من رسول الله، والنظرة من رسول، والغوث من رسول الله، فوارد بصريح القرآن بدليل قول الله تعالى(64النساء):

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا

وقوله تعالى(104البقرة):

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ

وغير ذلك من الآيات الكثيرة.

وأما اعتقاد أنه يعلم الغيب فذلك أمر من حقيقة الرسالة التي جاء بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الغيوب التي أخبرنا الله ورسوله بها إنما علمناها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن قبله لم نكن نعلم عنها شيئا، فالغيب إنما يعلمه رسول الله بتعليم الله له وإخبار الله له بهذا الغيب. وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكثير من الغيوب التي وقعت بعده – بأزمنة قريبة وبعيدة – في المجتمع الإنساني، وهناك الأحاديث الواردة في هذا الشأن وهى لا تقع تحت حصر، وقد قال الله تعالى (26، 27الجن):

﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا

ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد ارتضاه الله واصطفاه من جميع رسله وأنبيائه وجعله سيدهم وخاتمهم، وعلمه الله ما لم يكن يعلم من الغيوب وغيرها لأنه اختاره وارتضاه لذاته ومحبَّته، وأطلعه على أسراره وعلومه.

رابعاً: يكون بتزاور المسلمين وتآلفهم وتحاببهم واتخاذهم من هذه المناسبة عيداً لصلة بعضهم بعضاً، وتجديد المحبة والمودة والإخاء والتعارف وذلك من صميم الإسلام ومن روحه الأصيلة.

خامساً: يكون باجتماع المسلمين للذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ابتهاجاً بالذكرى العطرة، ونشاطهم في ذلك أكثر من سائر الأوقات احتفاءً به عليه الصلاة والسلام. وذلك أيضاً من آداب الإسلام ووصاياه.

سادساً: يكون بنشاط الحركة التجارية، واتخاذ المسلمين من هذه المناسبة سوقاً لرواج حركة البيع والشراء، وبسبب ذلك يزداد إنتاج المصانع والمعامل ونحوها، وتثرى البلد في هذه الذكرى العطرة، وذلك أيضا من الدين، ولم يقل أحدٌ أن نشاط حركة الحياة في البلدة أمر مكروه، أو أمر محرَّم تحت أي ظرف من الظروف، ما دام ذلك لم يكن في معصية الله ورسوله، من بيع الخمور والمسكرات، أو لعب القمار والميسر، فإن هذه الأشياء محرمة في كل وقت وفى جميع الأسواق والمتاجر. وعلى المسلمين أن يتجنبوا هذه المخاطر حيث وجدت، وأن يبتعدوا عنها بالكلية، لأنها من الآفات المهلكة للدين والدنيا.

ويجب على الدعاة إلى الله عزَّ وجلَّ أن ينزلوا إلى هذه الأسواق والموالد والأحفال والمتاجر، ويذكروا الناس ويبينوا لهم ما حرَّمه الله ورسوله، ليتنبَّه الغافل، ويتذكر الناسي، ويتعلم الجاهل، ويرعوى الفاسق والظالم.

وقد كان في عصور الإسلام الأولى – حيث كان الدين مسيطراً على النفوس، ومتمكناً من القلوب – ينزل العلماء بالله ورسوله إلى الأسواق، وينادون بالفضيلة وكريم الأخلاق وجميل المعاملات، ويذكرون الناس بالله واليوم الآخر وهم في غمرة البيع والشراء، وزحمة الأخذ والعطاء، والمكاسب والأرباح. ولن يصلح أمر هذا الدين إلا بما صلح به أوله، ومجتمعنا الآن أولى بهذه الإرشادات الجليلة، حيث كثرت المغريات والفتن، وتغير الزمن، وتغيرت الناس.

وكذلك يجب على الحكام وأولياء الأمور، أن يأخذوا على أيدي الذين يمارسون المحرمات بكافة أشكالها وألوانها في هذه الأسواق وفى غيرها، حتى تنهض الأمة من كبوتها، ويرتفع شأنها، ويعود لنا مجد السلف الصالح، وينظر الله إلينا فيجد نوايانا قد تحسنت، وقصودنا قد اتجهت إلى الخير وإلى الدين، وأعمالنا قد صلحت، وأخلاقنا قد تهذبت، ونفوسنا قد تزكت، فيتولانا بنصره وتأييده، ويتعهدنا برحمته وإحسانه ويعاملنا بما عامل به الآباء والأجداد رضي الله عنهم ورضوا عنه، فنسعد بالحياة الطيبة والعيشة الهنية في الدنيا، ونتهنى في الآخرة بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب إنسان، من نعيم الله ورضوانه، ومحبة الله وإكرامه.

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحابته وورثته والتابعين لهم إلى يوم الدين.

سابعاً: شراء الحلوى وتوزيعها على الأقارب والمحتاجين فرحاً بميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهذا فضلاً عن تنشيط حركة التجارة وإثراء الحياة – فإن فيها مساعدة وجبراً لخاطر الفقير الذي يمرُّ عليه العام هو وأولاده لا يستطيع أن يشترى لهم كيلو من هذه الحلوى. وأيضاً فيها صلة للأرحام، فتأتى هذه المناسبة ويتسابق المسلمون الأغنياء والمحسنون في هذا الميدان تحدثاً بنعمة الله عليهم، ومساعدة إخوانهم المحتاجين والتوسعة عليهم.وهذا من حقيقة الإسلام وروحه.

بقى بعد ذلك ما يقوم به بعض الناس – وهم فئة ضئيلة جداً – من الطبول والمزامير وآلات اللهو البريئة، تعبيراً عن مشاعرهم وفرحهم بهذه المناسبة، فإن ذلك وإن لم يكن محرماً فإنه مكروه شرعاً، ولا يليق بعظمة هذه الذكرى وجلال المولد الشريف. ويا حبَّذا لو كنا نوجِّه النصح لهؤلاء برفق إلى ما هو أفضل وأكرم ويليق بالاحتفاء برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذه النقطة الأخيرة هي البدعة في المولد، ولكنها ليست محرمة بل هي مكروهة لأنها أشبهت الطبل والدف واللعب الذي يباح في الأفراح والأعياد.

وبقى شئ آخر أيضاً، وهو الحلوى التي تحمل صورة الحيوانات والناس والآلات والقصور ونحو ذلك فهذه أيضاً بدعة. فقد تكون محرمة إذا كانت الحلوى تأخذ شكل إنسان كامل، أو حيوان أو طير كامل أيضاً، لأن هذه الصورة أشبهت خلق الله من الكائنات الحية ذات الروح. أما إذا كانت هذه الصور ناقصة فهي مكروهة. وإذا كانت الحلوى تحمل صورة آلة من الآلات، أو بيت من البيوت، أو منظر من المناظر الطبيعية التي خلقها الله من غير روح كالأشجار والنباتات وغيرها، فلا بأس بذلك لأنها لتفريح الأطفال وإدخال السرور عليهم.

وواجب العلماء أن يوجهوا المسلمين لهذه الأمور، وأن يلفتوا أنظارهم ويبيِّنوا لهم حكم الله عزَّ وجلَّ وأدب الإسلام الشريف بلطف ورفق، وبالحكمة والموعظة الحسنة، حتى يعرف المسلمون هذه الآداب فيتبعوا تعاليم الإسلام عن فهم واقتناع وتسليم وإذعان لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

هذا ولو نظرنا لما يعود على المسلمين بالاحتفال بهذه المناسبة الكريمة لوجدناه خيراً عظيماً جداً، وبرًّا ومعروفاً وإحساناً قد لا يتاح للمسلم أداؤه بدون هذه المناسبة، لأن للمناسبات أثر خاص في نفوس الناس لا يستطيع أحد إنكاره، وإن فطرة الإنسان إذا تعودت على شئ من الخير والمعروف في أي مناسبة من المناسبات، فالواجب علينا تزكية هذا الخير، وتنمية هذا المعروف، وتأصيله وتعميقه في النفس حتى تستزيد من فعل الطاعات والقربات والصالحات.

ولو نظرنا إلى هذه البدع التي مرَّ ذكرها، لوجدناها أمراً يسيراً بجوار هذا الخير العظيم، وعلينا أن ننحى من طريق الخير والنفع العام كل عائق، وكل ما يحيط به  من سلوكيات وأنماط غير ملائمة، حتى يتمحص الخير ونتخلص من كل شائبة ونقص.

وإنني على يقين من أننا والحمد لله نسير إلى الأحسن والأقوم والأرشد والأفضل والأكرم، وذلك بسبب صحوة الفكر الإسلامي المستنير في كل مكان، وتنبيه العلماء إلى السبيل الأمثل والعمل اللائق بالاحتفال بالمولد النبوي الشريف الذي جعله الله فاتحة لكل خير على العالم أجمع وعلى المسلمين خاصة. اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، والناصر الحق بالحق، والهادي إلى الصراط المستقيم، وعلى آله وصحابته وورثته ومن تبعهم، صلاة تحل بها العقد، وتفرِّج بها الكرب، وتزيل بها الضرر، وتهون بها الأمور الصعاب، وصلاة ترضيك وترضيه وترضى بها عنا يا ربَّ العالمين.

وعلى هذا فلتعلم يا أخي السائل ـ أيدنى الله وإياك والمسلمين أجمعين بروح من عنده، وأمدني الله وإياك والمسلمين أجمعين بمدد رسول الله صلى الله عليه وسلمـ أن الشيء الذي استحدث في احتفال الناس بالمولد هو الزمور والطبول وصنع الحلوى بالصور التي مرَّت بك، وقد بيَّنا حكم ذلك والحمد لله.

واعلم كذلك أن المسلمين الأوائل رضي الله تبارك وتعالى عنهم لم يكونوا في حاجة إلى من يذكرهم بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا بشيء من سيرته وحياته، ولا بشيء من معجزاته وكراماته، لأن رسول الله كان صورة حية ماثلة أمام أعينهم لا تغيب. لكن لمَّا ضعف المسلمون وانتشر بينهم الجهل بهذه المعاني اضطر العلماء رضي الله عنهم إلى أن يجعلوا مناسبات يجمعون المسلمين بها وحولها على مائدة العلم والمعرفة، والقرآن والذكر، والفكر والشكر، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى تشويق الناس وتحبيبهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن هنا كانت إقامة السرادقات والأنوار والزينات وكل ما يجمع الناس على الخير فهو خير، وكل ما يهدى الناس إلى البرِّ فهو برّ، والمقاصد في هذا المجال تبرَّر الوسائل. قال صلى الله عليه وسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه:

(إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)[4]

وفي الأثر: (بنياتكم ترزقون)

وفى الاحتفال بمولد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهد خاص من مشاهد المقربين، فهو تجديد البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والحضور بالروح والقلب لشهود هذه المجالي العالية، والتنزلات الرحمانية، والإغاثات القدسية التي أغاث الله بها العالم من الويلات التي أحاطت به من كل جهة، فلم تترك إنساناً في ذلك العصر إلا وأضرت به ضرراً بالغاً في عقله وجسمه وخلقه ودينه وماله وأهله.فكان ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو غوث العوالم كلها.

فبالاستحضار الروحاني في ليالي مولده صلى الله عليه وسلم تنكشف للأرواح هذه الأسرار، وتلوح تلك الأنوار، فقد قال الإمام أبو العزائم رضي الله عنه مبيِّناً هذه المشاهد:

كل روح ترى جمال حبيبــي               ليلة الوضع لا برؤيا المنام

مولد المصطفى حياة قلــوب              شوقها قد نما بداعي الغرام

يا حبيبي يا من دنا فتدلـــى               ورأى الحقَّ في علىِّ المقام

أنت أنسى وأنت راحي وروحي           فتفضل بالوصل والإكـــــــرام

وقد قال رضي الله عنه أيضا مخاطبا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أنت والله رحمة الله حقًّا        لجميع الأملاك والإنسان

ولأهل محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم مواجهات خاصة في أيام مولده الشريف لا تفي بها العبارة ولا تبيِّنها الإشارة، وإنما يواجههم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعاني كمالاته وجمالاته وعلومه وأسراره وأحواله، مواجهة فيها نعيم الأنس، وبهجة الوصل، وسعادة القرب منه عليه الصلاة والسلام، حتى يعيشوا في دائرة معيَّته، متحققين بقول الله عزَّ وجلَّ (29الفتح):

﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ

والمعية ليست معية زمان أو مكان، إنما هي معية مطلقة بلا قيد زمان أو مكان، وكذلك هي إيمان وإحسان ويقين وشهود، ومعية حبٍّ وأعمال وأحوال ومجاهدات، ومعية قلبية وروحية تجعل المتحقق بها يحبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حبًّا أكثر من حبِّه لنفسه وماله وأهله والناس أجمعين، بل تصل هذه المحبة إلى مقام يفنى فيه المحبُّ عن نفسه، فلا يرى ولا يشهد إلا محبوبه وقد ظهرت أنواره وآثاره وأخلاقه عليه، فيكون بدلاً من أبداله صلى الله عليه وسلم، يجدِّد الله به معالم الدين وآثار السنة المطهرة وأحوال السلف الصالح رضي الله عنهم.

ولو كانت المعية بالزمان والمكان لكان الكفار والمنافقون واليهود والنصارى الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة والمدينة وغيرها من أهل معيته صلى الله عليه وسلم- وحاشا ذلك – ولكن المعية معية معاني وحقائق، وليست معية أجسام وأمكنة وأزمان.

واعلم يا أخي – أسعدني الله وإياك بهذه المعية العالية – أن لكل قوم مشارب ومشاهد يذوقونها في احتفائهم بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يروِّحون بها أرواحهم، ويزكون بها نفوسهم، ويرقِّقون بها أحاسيسهم.

وقد قال سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه مخاطباً رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومبيناً قدر محبته له عليه الصلاة والسلام:

أحبُّك حبًّا لو يفاض يســيره على         الناس مات الناس من شدة الحب

وما أنا موفٍ بالذي أنت أهله      لأنك في أعلى المراتب من قلبــــي

وقال الإمام أبو العزائم رضي الله عنه مبيِّناً حبَّه لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

أحبُّك حبًّا جنَّن الـــــــرُّوح والنُّهـى        تقبل حبيبي مدحه من فان

وفى ليلة الذكرى سَلْ الله سيدي       نوال العطــايا منه بالإحسان

وقال الإمام أبو العزائم في مقام آخر:

أنا يا حبيبي في هواك متيَّم               وشهود وجهك بغيتي ونوالى

وقال رضي الله عنه:

أحب رسول الله بالروح والقلب               وحبِّي له نيل الســـــعادة والقــرب

أحبك يا خير النبــــــيين أرتجى               جوارك في الدنيــا ويوم لقــــا ربِّــى

أنلني رســولَ الله بالحُبِّ قربـة             أنال بها وصل الحبيب مع الصحب

وهكذا نرى العارفين بالله رضي الله عنهم والوارثين لرسوله صلى الله عليه وسلم كيف يفرحون برسول الله، ويبينون للناس بعض معانيه وآدابه صلى الله عليه وسلم على قدر عقولهم، ويكشفون الأستار عن بعض جمالاته وكمالاته للناس ليقبلوا على محبته صلى الله عليه وسلم بعد معرفة مكانته صلى الله عليه وسلم.

والله نسأل أن يلهمنا الحق والصواب في احتفالنا برسول الله وميلاده، وتقديرنا له صلى الله عليه وسلم على حسب استطاعتنا وإمكاننا، إنه سبحانه وتعالى نعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وسلام على المرسلين والحمد لله ربِّ العالمين.

ويلاحظ أن تقديرنا لسيدنا رسول الله واحتفائنا به، على قدرنا نحن لا على قدره صلى الله عليه وسلم، فإن العالم كله لا يقدر أن يوفىَّ رسول الله حقه، حيث أنه رحمة الله بجميع العوالم، وقد أحسَّ بفضل هذه الرحمة كل موجود في السموات والأرض وما بينهما، وما وراءهما من عوالم الله ومخلوقاته، التي لا يعلمها إلا الله ورسوله. وكيف يكون رسول الله رحمة الله بها ولا يعلمها؟!!.

فتأمل يا ذا العقل الرشيد، والفكر السديد، والقلم السليم معي في قول الله عزَّ وجلَّ (107الأنبياء):

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾

والعالمين هم ما سوى الله عزَّ وجلَّ- من عوالم الغيب والشهادة، وعوالم المادة والروح، وما وراء ذلك من غرائب وعجائب خلق الله، ولا يستطيع أحدٌ أن يتصور مدى هذه الرحمة، أو أن يحيط بشيء منها، إلا بمدد من الله ومعونة منه، ونظرات من رسول الله وعواطف منه.

فمدداً يا سيدي يا رحمة الله بعد مدد، فقد صار العبد المسكين مضطراً لعطفك ومددك ورحمتك، وكذلك كل المسلمين يا سيدي يا رسول الله في أمسِّ الحاجة إليك، فتداركهم برحمتك وعطفك .. آمين.

والله يهدينا إلى سواء السبيل

والصلاة والسلام على غوث العالمين، وشفيع المذنبين، ورحمة الخلق أجمعين

———————————————————————————————-

[1] رواه البخاري في باب الإيمان ومسلم والنسائي وغيرهم عن أنس.

[2] رواه أحمد عن عبد الله بن هشام.

[3] رواه البخاري ومسلم وغيرهم عن أنس.

[4] رواه الشيخان.

دلائل الفرح بالرحمة المهداة