أحدث المقالات
الرئيسية / غير مصنف / أنوار التحقيق فى وصول أهل الطريق

أنوار التحقيق فى وصول أهل الطريق

أنوار التحقيق فى وصول أهل الطريق

 

أنوار التحقيق فى وصول أهل الطريق (Autosaved)

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي اصطفي من عباده أحباباً له جلَّ جلاله، فجعلهم خزائن أسراره، وكنوز أنواره، ورحمة بعباده. أشهدهم جماله العليّ وكماله القدسيّ، وأقامهم ورثةً لرسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، يهدون الخلق إلى الله، سرَّ قوله سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ[24السجدة]، وسرَّ قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [32فاطر].

والصلاة والسلام على نور الله الدال بالله على الله، ونعمة الله العظمى المفاضة من الله على جميع خلق الله، ورحمة الله الواسعة التي وسعت جميع عوالم الله. ورضوان الله الأكبر يغشى أهل معيته صلى الله عليه وسلم  من صحابته وذريته وورثته والتابعين لهم إلى يوم الدين. ونسأل الله عزَّ وجلَّ أن يتنزل على روضة الفرد الوارث الإمام أبى العزائم بواسع رحمته ومغفرته ورضوانه، إنه سميع قريب مجيب.

  وبعد …

فلقد طلب مني الخاصة من إخواني، ومن هم أحبُّ إليَّ من نفسي، أن أكتب لهم رسالة متواضعة، تبين لهم وتوضح لهم معاني الوصول إلى الله عزَّ وجلَّ، وحقيقة القرب منه جلَّ جلاله، التي ذكرها مولانا السيد محمد ماضي أبو العزائم مجملة في كتاب: (معارج المقربين)، تحت عنوان: (الوصول).

ولما كان الإمام رضي الله عنه قد تحدث في هذا الموضوع لأهل القُرْبِ مِنْ الله، وأهل المعارج التي يرتقون عليها إلى الله عزَّ وجلَّ، وهى عبارات مِنْ غَيْبِ القُدس الأعلى، تخاطب قلوب خاصة الخاصة من عباد الله، وكأن الإمام رضي الله عنه جعلها من العلم المضنون به على غير أهله، وتكلَّم بها لمَنْ ذاقوا حلاوة القُرْبِ مِنْ الله عزَّ وجلَّ، ولذَّة الوصل منه، ونعيم الأنس به جلَّ جلاله. فكانت هذه العبارات – وكأنها سرٌّ مِنْ سرّ، وغَيْبٌ مِنْ غَيْب – يحتاج أمثالي من إخواني إلى التعرُّف عليها، واستجلاء غوامضها، وكَشْفِ معانيها، وبيان حقائقها.

فطلبت من الله سبحانه المعونة فأعانني، واستجبت لرغبتهم المُلِحَّة، فكتبت لنفسي ولإخواني ما أفاض الله علىَّ به، وما ألهمني به، وما علَّمني إياه، في توضيح معاني عبارات الإمام رضي الله عنه، ليكون ضوءًا كاشفًا لهذه الحقائق العالية التي كتبها الإمام رضي الله عنه في كتاب: (معارج المقربين).

وإني أرجو من وراء هذا العمل، الذي أعانني الله عليه، أن يهديني وإخواني سواء السبيل، وأن ينفعني وإياهم بما أنطق الله به لساني، وأن يغفر لي ذنوبي وأوزاري، ما قدَّمت منها وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أعلمه وما لا أعلمه، وما هو سبحانه به أعلم، وأن يدخلني وجميع إخواني وأهلي في عباده الصالحين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى الله وصحبه وسلم.

﴿ لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ[87، 88الأنبياء]. اللهم كما استجبت له فاستجب لنا، وكما نجَّيته من الغمِّ فنجِّنا يا ربَّ العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى الله وصحبه وسلم.

اللهم إنك أمرتنا بأن ندعو لمن أسديت لنا نعمة على يديه، فنسألك أن تجازي أستاذنا أبا العزائم عنا خير الجزاء بمغفرة ورضوان وخير في الدنيا والآخرة، وتمنحنا وإخواننا أين كانوا وكيف كانوا، العمل بالسنة والتوفيق، والحفظ من معاصيك سبحانك، ومِنْ الشرِّ والأشرار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيخ الدجَّال، وأسبغ علينا نِعَمَكَ ظاهرةً وباطنةً يا مجيب الدعاء، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى الله وصحبه وسلم، ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين. ﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ  عَمَّا يَصِفُونَ . وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [180: 182الصافات].

                                             الفقير إلى الله تعالى

                                            محمد على سلامة

 

 


بسم الله الرحمن الرحيم

حقيقة الوصُول إلى الله

الوصول هو بلوغ الغاية، والانتهاء إلى المقصد الذي يطلبه الإنسان. وقد يكون المقصد حسيًّا، كالظفر بنيل الأغراض والأموال، والمطامع والشهوات والحظوظ، والوظيفة والسلطان والرياسة، وغيرها من الأمور المادية التي يَجِدُّ الإنسان في طلبها، ويسعى ويكدح لنوالها في هذه الحياة الدنيا.

وقد يكون المقصد معنويًّا، كالعلم والشهرة، والجاه والمنزلة بين الناس وغير ذلك.

وقد يكون المقصد والمطلوب دينيًّا وروحانيًّا، كرضاء الله ورحمته ومغفرته، والعلم بالله وبأيامه وبأحكامه وبحكمة أحكامه، وغير ذلك من الحكمة العالية، وكشف الغيب المصون، ورفع الحُجُبِ عن النفس حتى تستكمل النفس معارفها الربانية.

وقد يكون المطلوب الوصول إلى الله عزَّ وجلَّ، والقرب منه والأنس به جلَّ جلاله، ومعية سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة. وهذا هو المقصد الأعظم.

والمؤمن الكامل مقصده الوصول إلى هذه الكمالات، وبغيته الحصول على تلك الجمالات، حتى يستنير في نفسه، ويأتنس بهذه المقامات، ويكون نوراً لإخوانه ورفاقه، يهتدون به في ظلمات هذه الحياة وفي الدار الآخرة، لأن العلماء بالله سرج الدنيا ومصابيح الآخرة[1] كما ورد ذلك في الحديث النبوي الشريف.

وقد ذكر الإمام أبو العزائم رضي الله عنه وأرضاه، حقيقة الوصول إلى الله سبحانه، وبيَّنه بياناً شافياً للعقول التي تعقل عن الله ورسوله، وكشفه كشفاً صريحا للقلوب المستنيرة، ونوراً هادياً للنفوس المستبصرة. والإمام رضي الله عنه إذا علمنا شيئا من علومه فإنما يريد أن يرفعنا لمستواه رضي الله عنه، وأن يأخذنا معه إلى المقامات التي أكرمه الله بها، واللطائف التي أشهده الله إياها، حتى يكون قد بلغنا ما يحبُّه الله ويرضاه من العلم النافع لنا في الدنيا والآخرة، عملا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: {خيركم من تعلم العلم وعلمه}[2].

وهذا بيانه رضي الله عنه لحقيقة الوصول، كما ورد في كتاب (معارج المقربين) صحيفة (22)[3].

( الوصول: وجدان باعث الوله إلى التخلق بأخلاق الربوبية، بعظيم المجاهدة في التخلي عن الفطر والأخلاق الحيوانية والإبليسية مع اللذة بالآلام والطرب عند فوات ما يلائم تلك القوى مما حرصت على نيله، وبذله عند نواله فرحاً بمفارقته، مسروراً بما استعاضه عنه حتى تنمو المشابهة، وتتم الفطرة على ألفة ما ينافره والرغبة فيما يؤلمه مع وجدان الباعث على طلبه والداعي له من توفر الشهوة ووجود القدرة على تنجيز ما يلائم ولو كان ضرورياً، فيكون مع الرغبة فيه راغبًا عنه، ومع الاحتياج إليه غنيا عنه، وبهذا يكون قائماً بمعاني القرآن بالمشابهة محفوظا بالمجاهدة، وهو وصول السالكين، فيكون جهادهم التحفظ بسور الحفظ عن تعدى حدود المكانة لا حدود الأحكام، لأنهم محفوظون من تعدى حدود الأحكام بِنَصِّ قوله تعالى:

﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [42الحجر].

وهو بداية للمقربين الذين كوشفوا بتلك المعاني في أنفسهم وفي السموات والأرض. أشرقتْ أنوارُ لطائف سريرتهم على الجوارح العاملة، فَسَلَبَتْ ظلال الوهم وأفياء الهوى والحَظِّ، فَجِهَادُهُم عن مشاهدة التوحيد بالتوحيد، فهم بعيون السريرة غرقوا في عين الوحدة، وبأبصارهم شهدوا سرَّ الحكمة، وبينهما برزخ لا يبغيان، فلا عُباب مشاهد التوحيد يبغى على برزخ الحكمة فيُفنِى حقيقة العبودة، ولا مكفوف موجُ الحكمة يبغى على مسجور القدرة فيحجب أنوار التحقيق، وهو الجهاد الأكبر لأنه في ذات الله تعالى، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ).

وبتوفيق من الله سبحانه وتعالى، وبمعونة منه جلَّ جلاله، وبهداية من جنابه العلى، وبنظرات وتوجهات من سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وباستمداد من روحانية الإمام أبى العزائم رضي الله تعالى عنه، نأخذ في شرح وبيان هذه الحقائق التي ذكرها الإمام رضي الله عنه في حقيقة الوصول إلى الله عزَّ وجلَّ مبتدئين ببيان الفقرة الأولى وهى قوله رضي الله عنـه:

الشَّوْقُ إِلَى الله

 1 – (الوُصُولُ وِجْدَانُ بَاعِثِ الوَلَهِ إِلَى التَّخَلُقِ بِأَخْلاقِ الرُّبُوبِيَّة)

ومعنى هذه العبارة، أن العبد السالك في طريق الله تعالى، إنسان انكشفت له حقيقة هذه الحياة الدنيا، فأيقن بزوالها، وأنه راجع إلى الله، كادح في العودة إليه، وأنه يقطع أنفاسه بسرعة مرور الزمن في الإسراع إلى لقائه جل شأنه.

فاشتدت رغبة هذا الإنسان، بل وألحَّتْ عليه ضرورة الرجوع إلى الله، في أن يتعرف على الله، وأن يطلب الله، وأن يجاهد نفسه في معرفة أخلاق الله، وآداب الله، وصفات الله، وأسماء الله، وبعد معرفته لله سبحانه وتحقُّقه بكمال رأفته وشفقته، وعظيم حنانته ورحمته جلَّ جلاله بالإنسان، فعند ذلك يحصل له وجدانٌ وشوق، وإحساسٌ قوىّ، يبعث في نفسه الوَلَهَ والاحتراق، والعِشْقَ الشديد إلى التخلُّق بمعاني أخلاق الله وصفاته الكريمة، وأسمائه الحميدة، ليكون فيه من صفات الله ما يتقرب به من الله، وما يتحبَّبُ به إلى جناب الله، لأن الله سبحانه وتعالى يُحِبُّ في العبد المؤمن أخلاقه وصفاته جلَّ جلاله، ولا يُحِبُّ طول الإنسان وعرضه، ومظهر الإنسان وشكله، وقوام الإنسان وجسمه، سرَّ قوله صلى الله عليه وسلم:

{إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم}[4]

ومعنى هذا الحديث الشريف: أن نظر الله لنا ليس هو رؤية الله للعبد، فإنَّ الله لا تَخْفَي عليه خافيةٌ في الأرض ولا في السماء، ولا تغيب عنه مثقالُ ذرَّة ولا أصغر في عالم الملك والملكوت، فهو يرى كلَّ شيء ويسمع كلَّ شيء، ولكن المقصود بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد من نظره جلَّ شأنه للإنسان المؤمن، هو حُبُّهُ جلَّ جلاله، وإقباله على العبد بمعاني وداده ورأفته وحنانته، ليواجه سبحانه بصفاته العلية هذا العبد المتصف بهذه الصفات، فإنه أهل لنظر الله، وأهل لمواجهة الله، وأهل لمحبَّة الله، لأنه تخلَّق بأخلاق ربِّه. ولذلك قال الإمام رضي الله عنه: (الوُصُولُ وِجْدَانُ بَاعِثِ الوَلَهِ إِلَى التَّخَلُقِ بِأَخْلاقِ الرُّبُوبِيَّة).

فقوله بأخلاق الربوبية، يعنى: اتصف العبد بمعاني صفات الربوبية من التربية والإمداد، والإحسان والإكرام، والشفقة والرحمة، والعطف والمودة، والحنان والهداية، والنُّصح والإرشاد، والتوجيه والتعليم، والصَّبر والرضا، وجميع الأخلاق التي هي مِنْ معاني الربوبية، ما عدا الخَلْقِ والإيجاد، والتصوير والإبداع من العدم، فإنها خاصةٌ بذات الربِّ جلَّ جلاله.

وهنا يحلو للعبد الفرق في مقام الجمع، فيكون العبد جامعاً بين مكانته العبدية مِنْ الذُّل والخضوع والانكسار والافتقار، وبين معاني صفات الربوبية من الرحمة والشفقة والإحسان والودِّ وغيرها، ويكون العبد فارقاً بين رتبته العبدية والمكانة القدسية العلية. وهذا هو كمال التنزيه لله جلَّ جلاله، فالعبدُ عَبْدٌ وإنْ خلع الله عليه مِنْ معاني صفاته وأخلاقه حُلَلَ الجمال والكمال، وإن ناجاه وقرَّبه إلى مقامات الأنس والوصال، والرَّبُ ربٌّ وإنْ تنزَّل إلى العبد فواجهه وكلَّمه وناجاه، والعبدُ عَبْدٌ وإنْ رَفَعَهُ الله فوق العرش وأدناه.

والعبد الكامل لا يغرق في هذه البحار، وإنما يغوص فيها لاستخراج كنوز الحقائق ودرر المعاني، لينتفع بها في نفسه، وينفع بها أهله وإخوانه، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

والسالك يسير على الصراط المستقيم، ويقطع المسافات والمراحل حتى يصل إلى معرفة الله وحبِّه لله، والواصل متخلِّقٌ بأخلاق الله، ومجاهدٌ نَفْسَهُ للتأدب بآدابه، حتى ينال المحبة والقرب مِنْ الله عزَّ وجلَّ، والمُقَرَّبُ مطلوبُ العناية الإلهية، ومجذوبُ الولاية الرحمانية، فَانٍ عن نَفْسِهِ وعن عمله، وعن علمه وعن جهاده، مَحْمُولٌ على رفارف الفضل، محفوظ من الفتنة والزَّيْغ. وذلك معنى قول الله عزَّ وجلَّ في الحديث القدسي: ﴿ من طلبني وجدني، ومن وجدني عرفني، ومن عرفني عشقني ومن عشقني قتلته، ومن قتلته كنت ديته، ومن كنت ديته كان لا فرق بيني وبينه﴾.

ومعنى ﴿لا فرق بيني وبينه، لا أجعل بيني وبينه حجاباً ولا مسافة ولا زمانًا بل يكون عند الله والله عنده، بلا زمان ولا مكان، لأن الله من وراء الزمان والمكان، ومن وراء كل شيء، ومن كان عند الله ترك كل شيء يشغله عن الله، وفات كل شيء يبعده عن الله، ليكون مع الله بلا قيد في وسعة الإطلاق الإلهية من وراء جميع العوالم العلوية والسفلية، وكان الله سبحانه عوضاً له من كل شيء.

ومعنى قول الله في الحديث القدسي ﴿ومن عشقني قتلته﴾: يعنى أفنيته عن نفسه وعن شهوته، وعن حظِّه وعن طمعه، وعن حِرصه وعن أمله، وعن حُبِّهِ لغيره سبحانه، فلم يكن فيه شيء لغير الله عزَّ وجلَّ. وهذا هو قتيل الغرام، وشهيد المحبَّة والعشق والهيام الإلهي، لأن العِشْقَ نارٌ معنوية تستعر في الضلوع والأحشاء فتهيجها إلى المحبوب والمعشوق، وتشدُّها إلى الله ورسوله شداً قوياً. قال الإمام أبو العزائم رضي الله عنه:

نَارُ الغَرَامِ سَـــــــــــعِيرُهَا أَحْيَا الهَــوَى     حَتَّى تَمنَّيْتُ الشُّـــــــــــهُـودَ لَـدَى اقْتِراب

لَـمْ أَقْوَ وَالجَبَلُ الشَّدِيدُ انْدَكَّ مِنْ      بَرْقِ التَّجَلِّــــــــــــــي وَالفَتَى الفَانِي أَنـَاب

الشَّــــ،ـــــــوْقُ صَوْلَتُهُ وَقَدْرِي عَبْـدُهُ      والأُنْسُ  فَوْقَ الرُّوحِ بَلْ  لُبُّ  اللُّبَاب

ومعنى قول الله تعالى في الحديث القدسي ﴿ومن قتلته كنت ديته﴾: أن الله سبحانه وتعالى لمَّا أفنى العبدَ عن كلِّ ما تقدم ذكره، أبدله الله أُنْساً يَجِدُ لذته في نفسه، وقُرْباً يجد نعيمه في قلبه، وعطفاً ووداً يجد سروره في فؤاده. زالت عنه الوحشة وبعدت عنه الغربة، واضمحلت في نظره الدنيا وزخارفها، وصار الله مراده ووجهته وقصده، يطلبه في كل شيء، ويتعرف عليه في كل أمر وشأن، ويعشقه في كل ظاهر وباطن، وأصبح الله منه على بال، وصار الحقُّ جلَّ جلاله معالماً بين عينيه لا يغيب، وحاضراً لديه وفي كل نفس قريب.

وهذا هو الوِجْدَانُ الذي يبعث الوَلَهَ والغَرام في نفس طالب الوصول إلى الله عزَّ وجلَّ، والراغب في رضوانه الأكبر ورضاء رسـوله صلى الله عليه وسلم، حتى يتحلَّى هذا العبد بمعاني صفات الله عزَّ وجلَّ، ويتخلق بأخلاقه الكريمة، ويكون بينه وبين الله نسبٌ يقرِّبه إليه، وحبٌّ يوصله إليه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

{أَحِبُّوا اللهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنْ النِّعَمِ والآلاء، وَأَحِبُّونِي لِحُبِّ الله، وَأَحِبُّوا آلَ بَيْتِي لِحُبِّي}[5]

وقال الإمام رضي الله عنه مبيِّناً معنى الحُبِّ لله ورسوله:

الحُبُّ حُبَّانِ حُبٌّ عَنْ مُوَاجَهَةٍ      بِالاجْتِـــــــــــــــلاء وَهَذَا لِلأَقَلِّينَـــــــــا

أَوْ فَهْمِ أَسْــــــــرَارِ آيَاتٍ مُنَزَّلَــةٍ       بِهَا الوُصُولُ إِلَى رَوْضَاتِ عَالِينَــا

وقال أيضاً:

الحُبُّ مَا الحُبُّ نُورُ اللهِ يَمْنَحُهُ       أَهْلَ الصَّفَا بِدَوَامِ الوُدِّ وَالحَالِ

ولا يتحقق الحبُّ إلا بعد معرفة المحبوب، ومشاهدة جمالاته وكمالاته ومحاسنه وأخلاقه، وهذا هو حُبُّ الأفراد المُقرَّبين، والمصطفين المحبوبين، الذين واجههم الله بمعانيه الحِسَان، وأخلاقه العِظَام. ومن دون ذلك حُبٌّ من أجل الأيادي والنِّعَم، والعطايا والمنن، وهو حبُّ السالكين الذين عرفوا فضل الله عليهم، وتحققوا بإحسان الله إليهم، وشَهِدُوا نِعَمَهُ سبحانه التي أمدَّهم بها، وأسبغها عليهم ظاهرة وباطنة، فأحبُّوه سبحانه لذلك، وأحبُّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مِنْ أجل أنه بابٌ لفضل الله عزَّ وجلَّ، وسببٌ لرضوان الله، ووسيلةٌ عظمى لنوال كلِّ خير في الدنيا والآخرة، وهذا هو حبُّ المؤمنين السالكين لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما حُبُّ المقربين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حبٌّ ذاتيّ. بمعنى أنهم تحققوا بأنه صلى الله عليه وسلم هو رحمة الله بهم، وعناية الله بهم، ونعمة الله لهم، وفضل الله عليهم، وأنه صلى الله عليه وسلم أولى بهم من أنفسهم، وأرحم بهم من أنفسهم، ومن آبائهم وأمهاتهم وأزواجهم، فأحبُّوه صلى الله عليه وسلم حبًّا جعل الواحد منهم يتمنى أن يموت نصرةً له صلى الله عليه وسلم، وفداء لمبادئه صلى الله عليه وسلم، بل يتمنى الواحد منهم أنْ يُقتل ولا يسمع أن أحدا ً آذَى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمة. وذلك الحبُّ ناتجٌ عن مواجهة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بأسراره وأنواره، وعلومه ونظراته، وتوجهاته صلى الله عليه وسلم.

***************************

جِهَادُ النَّفْسِ

2-  قوله رضي الله عنه:

( بِعَظِيمِ المُجَاهَدَةِ فِي التَّخَلِّي عَنْ الفِطَرِ وَالأَخْلاقِ الحَيَوَانِيَّةِ وَالإِبْلِيسِيَّة )

قد بيَّن الإمام رضي الله عنه بهذه الفقرة، أن التخلق بأخلاق الربوبية لا يكون إلا بعظيم المجاهدة، وفادح المكابدة، وبذل كلِّ ما في الوسع في ترك صفات البهائم وأخلاق الشياطين، حتى يتحقق الإنسان بإنسانيته، وأن له مركزاً خاصاً بين العَوَالِم، ومكانةً رفيعةً فوق كلِّ المخلوقات، وهو مقام الإنسان الذي خَلَقَهُ الله في أحسن تقويم، وكذلك يعتقد الإنسان أن الله قد ابتلاه بأخلاق البهائم وأوصاف الشياطين، ليحوز شرف الجهاد الدائم في ذات الله تعالى، ويكون له بجهاده هذا مقامٌ لا يصل إليه مَلَكٌ مقرَّب ولا ذو روح من الأرواح العالية.

وأخلاق البهائم: شهوة الأكل والشرب، والنكاح والراحة، وغيرها من الصفات الخاصة بالحيوانات العجماوات، كالجَوْرِ والتعدي. وهذه الصفات وإن كان يشترك الإنسان فيها مع البهائم، لكن الإنسان المؤمن جاهد نفسه في تهذيبها وتزكيتها والتوسط والاعتدال فيها، فأخذ من هذه الصفات ما هو ضروريّ لحياته، ولبقاء نوعه الإنساني، فيكون أكله ضرورة، وشربه ضرورة، ونومه ضرورة، ونكاحه ضرورة، فلا تكون هذه الأشياء مقصودة لذاتها، ولا مطلوبة لملائمتها للميول والأهواء، وموافقتها لطبيعة النفس، ولكن يأخذ المؤمن منها بِقَدْرِ حاجته، بحيث يتفرغ لمهمته العظمى، ورسالته الكبرى التي جاء من أجلها، وهى معرفة الله وعبادته، وحبِّه سبحانه، والتقرب إليه جلَّ جلاله، والمسارعة فيما يحبُّه ويرضاه، والبُعد عمَّا يبغضه الله ويكرهه، والقيام بعمارة هذه الحياة بالخير والعدل، والتسامح والصفاء والحبّ، والزراعة والتجارة والصناعة ونحوها.

وطالب الوصول إلى كمال معرفة الله، لابد له من التخلِّي عن هذه الفطر التي فطر الله الإنسان عليها، وابتلاه الله بها، حتى يتخفف من تلك الأعباء التي تثقل كاهله عند مسارعته في محاب الله ومراضيه. وقد قال الإمام أبو العزائم رضي الله عنه في بيان فطرة البهائم وطبيعتها:

وابتهاجُ الحيوانِ أكلٌ وشُربٌ    ونكاحٌ وذاك قصدُ القصي

أما أخلاق الشياطين التي يجاهد طالب الوصول نفسه في البعد عنها، والإقلاع عنها، فهي الكِبْرُ والحسد، والظلم والكيد والفساد، والعداوة والشحناء والبغضاء، والكراهية والأحقاد والأضغان، والبغي والتفريق بين الناس، ومحاربة الله ورسوله، كما قال الإمام أبو العزائم رضي الله عنه:

وابتهاجٌ الشيطانِ حَسَدٌ وكِبْرٌ     بفســـــــــــادٍ وفُرقــــــةٍ وبغــــــــــى

وغير ذلك من صفات الشياطين والمردة التي ابتلى بها الإنسان، ليجاهد نفسه في التخلي عنها، وفي تركها جملة واحدة، حتى يرتفع عن منازعات نفسه وعنادها، ومكرها وسوء أخلاقها، إلى مقامات العبد الواصل، الطالب لرضوان الله الأكبر، المُقبل على الله بكُلِّيته، الفارِّ إليه جلَّ جلاله من كل عائق، المتخلق بـأخلاقه، المتأدب بآدابه، المتشبه بمعاني أسمائه وصفاته.

وهذا هو مقام التشبيه، الذي تقوى فيه عوامل المشابهة بين العبد وبين معاني صفات ربِّه، وتزكو فيها دواعي المقابلة والمواجهة، فإنه لن يواجه عبدٌ ربَّه بفطره المذمومة وصفاته الخبيثة، ولكن يواجهه ويقابله بما فيه من صفات باريه، وأخلاق سيده ومُربيه، ولديها تنمو المشابهة، وتشتد الرغبة في التخلُّق بأخلاق الله، ولن يصل عبدٌ إلى هذه المنزلة إلا ببذل المجهود في طلب الوصول إلى الملك المعبود.

وهذا هو حقيقة الوصول إلى الله عزَّ وجلَّ، وليس الله في مكانٍ يصل عبدٌ إليه، أو زمانٍ ينتهي العبدُ إليه، ولكن الله عزَّ وجلَّ من وراء الزمان والمكان، ومع هذا البعد العظموتي، والكبرياء القدسي، فهو سبحانه قريب مِنْ العبد الطالب له حقًّا قرب القرابة، بل أقرب إليه من نفسه التي بين جنبيه، قال الله تعالى:

﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ[16ق]

ومعنى ذلك أن الله سبحانه وتعالى، لا يحل في الأجسام، ولا تحل فيه الأجسام، ولا يقارب الأجسام ولا يشابهها، ولا تشبهه الأجسام ولا تقاربه، فليس في الخَلْقِ إلا الخَلْق، وليس في ذات الله إلا الله جل جلاله. وهذا هو مقام التنزيه.

وأما قربه من العبد، وتنزُّله إليه، فهذا قربٌ معنوي، يكون بمعاني صفات الله، ومعاني أسمائه الحسنى، من الوداد والعواطف والعوارف، والرحمة والرأفة، والحنان والإحسان. والعبد الواصل قد لاحظ بسرِّه هذه الحقائق فنزَّه الله وقدَّسه عن كل ما يجُول بالأوهام والخواطر.

نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يجعلنا من أهل الوصل، وأن يكتبنا من أهل القرب، إنه سبحانه سميع قريب مجيب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى الله وصحبه وسلم.

وعظيم المجاهدة التي يقوم بها العبد الواصل، إنما تكون بمعرفة الأعداء الذين يجاهدهم الإنسان، ومعرفة قوتهم، ويجب على المجاهد في هذه الأحوال أن يستعد بكل القوى التي تمكنه من إحراز النصر على أعدائه. ومن أهم هذه القوى، التزام الإنسان بصحبة الإخوان، وحرصه على الاستمرار معهم، لأنهم حِصْنٌ له، وأمانٌ له من الزلل والمعصية، هذا بخلاف ما يتلقاه الإنسان منهم وما يأخذه عنهم من العلم النافع، والهدى الموصل لمحبَّة الله ورسوله، وبخلاف الاستعانة بهم على تقوى الله، والبِرِّ والمعروف، ولأن الإخوان صورة كاملة للأستاذ المرشد رضي الله تعالى عنه، فكلُّ واحدٍ منهم، أخذ شيئاً من معارفه وعلومه، وسيرته وسلوكه. قال الله تعالى:

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ[28الكهف]

ومعنى قول الله تعالى ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾: أي لا تصرف نظرك عنهم، وهذا أمرٌ من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يوجِّه نظره إليهم، وأن يلاحظهم برأفته وحنانته ورحمته صلى الله عليه وسلم، لأن هذا الصنف من عباد الله المقربين في أمسِّ الحاجة إلى عطفه وشفقته وولايته عليه الصلاة والسلام.

******************************

 الصدق في الإرادة

3- قوله رضي الله عنه:

(مَعَ اللذَّةِ بالآلام، والطَّرَبِ عِنْدَ فَوَاتِ ما يُلائمُ تِلْكَ القُوَى مِمَّا حَرِصَتْ عَلَى نَيْلِهِ )

والذي يلائم هذه القوى، وتلك الأخلاق الحيوانية والإبليسية، من الحصول على الشهوات واللذات، والحظوظ والمتع الفانية، من المآكل والمشارب، والملابس والرياش، والأثاث والزينة، واللذة الجنسية، وغيرها مما يلائم ويوافق الطباع والغرائز البهيمية في الإنسان، وكذلك الشَّرَهِ والحِرْص، والطمع والأمل، ومما تفرح بنواله النَّفْسُ مِنْ غريزة حُبِّ التملُّك والتسلُّط، والسيطرة والرياسة، والتعالي في الأرض على عباد الله.

وكذلك ما يناسب ويوافق القوى الإبليسية في الإنسان، من الأثرة والأنانية، وكراهية الخير للنَّاس، والتكبُّر والتجبُّر، والخيلاء والرياء، والنفاق والشرك الخَفِي والأخفى، وحُبِّ التغلب والخصام، والجدال والنزاع، والمِراء والغِل، والكيد والحسد، والمداهنة والمكر، وكل ما يلائم تلك القوى الشريرة من حُبِّ المال والغنى، والجاه والسلطان وزخرف الحياة الدنيا، فإن أهل الوصول إلى الله عزَّ وجلَّ عشاق الفضيلة والكمال، المتشوقون والمتلهفون على التخلُّق بأخلاق الله ورسوله، إن هؤلاء يتلذذون، ويفرحون ويسرون، بفوات ما يلائم الطباع الحيوانية والقوى الإبليسية، التي يجاهدونها في أنفسهم، ويحاربونها في هياكلهم انتصاراً لله ورسوله، متلذِّذين بما يصيبهم من الآلام الفادحة، والمجاهدات الكادحة في سبيل قهر هذه القوى وإضعافها، والتغلب عليها، بل وتبديلها وتغييرها بما هو أحسن وأكرم، وأجلُّ وأعظم، مِنْ أخلاق الروحانيين، وآداب الواصلين، وصفات الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

مع العلم أن القوى الحيوانية والإبليسية، حريصة كلَّ الحرص، ومتنبهة كلَّ التنبه على تحصيل ما تتلذذ به وتأنس به، مِنْ عاجل زهرة الحياة الدنيا، ومُتعها الفانية، وشهواتها ولذاتها الزائلة، لأن ذلك يُرضي عناصرها، ويوافق غرائزها، ويحقق مطامعها وآمالها الفانية، ولو كان ذلك على حساب الآخرين، وفي ضرر الغير، لأن تلك القوى كادحة في غيِّها، جاهدة في طيشها وغرورها، ولابد من مجاهدتها مجاهدةً فوق جهاد الأبطال، حتى ترعوي عن غيِّها وفسادها، وتستقيم على حفظ مكانتها ومنزلتها، مِنْ القرب مِنْ الله تعالى، ومواجهته في دار كرامته وفي هذه الحياة الدنيا، لأنها مؤهلة للترقي والكمال، والحظوة بنعيم القرب والوصال. قال الحكيم:

والنَّفْسُ كالطِّفْلِ إنْ تَهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى        حُبِّ الرِّضَاعِ وَإِنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِـمِ

فَجَاهِـدْ هَوَاهَــــا وَحَـــاذِرْ أَنْ تُوَلِيَــهُ         إِنَّ الهَوَى مَا تَوَلَّى يُصْـمِ أَوْ يَصِــمِ

يُصْم أي يَصُمُّه عنْ الحقّ، بحيث يكون في أذنيه صمم عن سماع الخير، ومعنى يَصِم يشينه ويلحق به العار والهلاك.

قال الإمام أبو العزائم رضي الله عنه:

هِيَ نَفْسٌ إنْ طُهِّــرَتْ وَتَزكَّتْ        تَتَهَنَّـى بِحُظْــوَةٍ بالـوَّلِــــــي

وهى حيوانٌ أو أضَلُّ ســــبيلاً        إنْ تَسَلَّتْ عَنْ حُسْنِهَا بالدَّنِي

وهى إبلِيسُ إِنْ أَبَتْ وَتَعَالَتْ       وتعامتْ عَنْ سِـــــــرِّها الآدَمِي

ولقد فطر الله الإنسان وابتلاه بهذه القوى، لأن الإنسان هو المخلوق الوسط، الذي جمع الله فيه كلَّ عناصر العوالم العالية – بما فيها من الجمالات والروحانيات، والبهاء والنور والضياء، والكمال والرحمة، والصفاء والوفاء – وكل العوالم السافلة – بما فيها من العناصر المتضادة، والكثافة والظلام، والغرائز والشهوات. فهو ملتقى جميع العوالم، ومحور ارتكازها، وفلك مدارها، فهو المخلوق العجيب، والصنع الغريب، الذي أسْجَدَ الله له عوالم عالين، وحيَّر فيه عوالم سافلين، قال الإمام على رضي الله عنه:

وَتَحْسَبُ أنَّكَ جِرْمٌ صَغِيرٌ        وَفِيكَ انْطَوَى العَالَمُ الأكْبَرُ

وقال الرجل الحكيم:

والذي حَارَتْ البَرِيَّةُ فِيهِ        حَيَوَانٌ مُسْتَحْدَثٌ مِنْ جَمَادِ

ومن هنا كانت قضية تكريم هذا الإنسان وتبجيله واحترامه، وحَمْلِهِ على رفارف العناية الإلهية في البَرِّ والبحر، والسهل والوعر، والرمل والصخر، والهواء والأرض. قال الله تعالى:

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً

[70الإسراء]

وهذه الآية الكريمة رفعت قدر الإنسان، وكرمته على سائر مخلوقات الله، ولو لَمْ ينزل من السماء قرآناً على الإنسان غير هذه الآية، لكان واجباً على الإنسان وجديراً به، أن يشكر الله عزَّ وجلَّ، ويثني عليه ويذكره ويسبِّحه ويُعظِّمه، ويمجِّده ويكبِّره، ويقدِّسه ويحمده، آناء الليل وأطراف النهار، قياماً له سبحانه وتعالى ببعض ما يجب عليه لله عزَّ وجلَّ من فرائض الولاء، والعبادة والشكر، والوفاء على تكريم الله له، وتشريفه إياه، ورفع مقداره بهذه الآية الشريفة، بل يتحقق الإنسان بكمال عجزه عن القيام لله بما هو أهله، وبما يستحقه من الشكر والعرفان على ما أولاه من الرفعة والسَّناء، بإنزال هذه الآية الشريفة، تبياناً لقدر الإنسان، وإعلاءً لذكره. وقد قال الإمام أبو العزائم:

خلِّ يا إنسان حظًّا شهوةً     تَشْهَدْ الوجهَ الجميل تَرَ الدليل

وقال رضي الله عنه:

جاهد نفوسا فيك بالشرع الأمـين     واحذر قوى الشيطان في القلب كمـين

غل وكيــــــد من حسـود ماكــــر    ظلم العبـاد بنيــة في كل حيــــــن

هذا اللعين به الهـــلاك فخلـِّــه      أسـرعْ إلى القرآن في الركن المتيـــن

والنفس شـهوة مطعم أو مشـرب      أو ملبس فاحـذر بها الداء الدفيـــن

إلا الضــــرورة فالإباحة إنْ دَعَـتْ      فيها الضــــــرورة فاطلبنها مِنْ معيـــن

جُعْ أضعفنها واحذرن من غيِّــــها      غُضْ الجفـُـــون وحاذرن فتك الكمـين

والنفس داعية الرياســـــة فاحذرن      فرعونها تنجــــــو من الداء الدفيـــن

فالإنسان هو المراد لذات الله جلَّ جلاله مِنْ بَيْنِ هذه العوالم، والمطلوب لحضرته من الوجود كلِّه، ولذلك سَخَّرَ الله له جميع العوالم وجعلها تسعى إليه بالتسخير والقهر الإلهي.

والإنسان سيدٌ مطاع، ومَلِكٌ لهذه المملكة، ولكن جَهَلَ الإنسان هذه الحقائق، ونَسِيَ نفسه، وغفل عن مركزه وشرفه ومكانته، فأدركه الله بعنايته ورعايته، فأرسل له الرسل، وأنزل له الكتب، وأقام له العلماء وورثة الرسل حفظاً لرسالات الله في الأرض ورحمةً بهذا الإنسان، وهداه النجدين، فسعد بالتوفيق والهداية مَنْ جاهد نفسه وخالف حظَّه وهواه، واتبع هدى الله، واقتدى برسل الله وورثتهم من بعدهم، وشقي واللهِ مَنْ عَمِىَ عَنْ نُورِ الله واتبع حظه وهواه. قال الله تعالى:

﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى. قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى [123: 126طه]

قال الشيخ أحمد بن شرقاوى رضي الله عنه:

يَا هَادِى القَلْبَ الكَئيبَ اللاجِي        حَقِّقْ بِعَذْبِ وَصْلِكَ ابْتَهَاجِي

والواصل إلى الله عزَّ وجلَّ، والمجاهد لكل ما فيه من الغرائز والقوى والفِطَرِ والعادات والصفات البشرية، والحيوانية والإبليسية، إنما يفرح فرحاً شديداً، بل ويطرب ويتلذذ بما فاته من الأمور التي تعين هذه القوى على تحصيل متعها وشهواتها، وما يناسبها ويلائمها من زهرة هذه الحياة الدنيا وبهجتها، لأن الواصل في مقام يوجِّه فيه كلَّ عزمه وهمِّه وإرادته، وكل خواطره وملكاته وقواه جميعها في الوصول إلى مقصوده، والحصول على مطلوبه، وهو تبديل أخلاقه وأحواله وأرضه وسمائه، بصفات الله ورسوله، وآداب الله ورسوله، حتى يكون عبداً نُورانياً قرآنياً، طاهراً زكياً، بل عبداً ربانياً، يمنحُ الخير، ويفيضُ البِرِّ والنفع على أهله ورفاقه، وعلى كل المسلمين، من غير أن يطلب منهم أجراً ولا شكراً، سرَّ قول الله تعالى:

﴿لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا [9الإنسان]

وإنما يرجو بذلك رضاء الله ورسوله، والقيام بما أوجبه الله عليه ووصاه به رسول الله، حبًّا لله ولرسوله، وإيثاراً لله ورسوله على كلِّ شيء.

والله نسأل أن يكاشفنا بهذه الجمالات، ويمنحنا تلك الكمالات، إنه كريم مجيب.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى الله وصحبه وسلم.

—————————————————————–

[1] أخرجه الديلمي في مسنده، عن أنس بن مالك مرفوعاً وذكره السيوطي في “الجامع الصغير” بلفظ: (اتبعوا العلماء فإنهم سُرُج الدنيا ومصابيح الآخرة).

[2] رواه البخاري من حديث عثمان بن عفان.

[3] الطبعة الثانية لسنه 1395 هـ  – 1975 م ، مشيخة السادة العزمية.

[4] أخرجه مسلم في البر، وابن ماجه في الزهد وأحمد في المسند عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[5] رواه الترمذى من حديث ابن عباس رضي الله عنه.