أحدث المقالات
الرئيسية / أسألوا أهل الذكر / علامات حُبِّ النَّبِيِّ

علامات حُبِّ النَّبِيِّ

علامات حب النبي

*.*.*.*.*.*.*.*.*.*

علامات الحب الصادق

ما علامات هذا الحب الذي سيوصلني إلى مقامات القرب من الله عزَّ وجلَّ؟ علامات هذا الحب كثيرة نكتفي بما ورد في شأنها في كتاب الله:

العلامة الأولى: حسن الإتباع: من قوله جلَّ فى علاه:

(قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) (31 آل عمران). 

الإتباع لرسول الله في شرعه الذي جاء به من عند الله، اتباعه في هديه، اتباعه في سمته، اتباعه في أخلاقه ومعاملاته، لا نتبعه في العبادات وفقط ونترك إتباعه في الأخلاق وفي المعاملات بيننا وبين عامة الناس، لكن نتبعه في الكل؛ (فاتبعوني)، فِيمَ؟ في كلِّ شأنه، وفي كل أمره، وفي كل أحواله، وفي كل ما كان عليه في حياته. وهذا هو الإتباع الصادق لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

      فلو تابعه المرء في ناحية: مثلما حدث في عصرنا هذا، توجه كثير من المعاصرين إلى اتباع ظاهر النبي المصطفى وتركوا اتباعه في المعاملات والأخلاق والصفاء والنقاء والحب لجميع الناس. وهذا الإتباع مردود ولا يوصل إلى المقصود. ولذلك تجد من يتبع مثل هذا الإتباع لا تظهر عليه ثمرات المحبة، ولا ينال شيئاً مما يناله الأحبة، لأن الإتباع الصادق له ثمرات ينالها الإنسان – سنتحدث عنها إن شاء الله لاحقاً بفضل الرحمن عزَّ وجلَّ. فمن ادّعى أنه يحب رسول الله ولا يتبعه ينطبق عليه قول الرجل الصالح:

تعـصى الإلــــــه وأنت تزعم حبَّه

هذا لعمري في القياس شـــــــنيع

لو كان حبُّك صــــــــادقا لأطعته

إن المحبَّ لمـن يحــــــــــبُّ مطيـع

       هناك امرأة رآها سيدنا عمر تلبس خاتماً من ذهب فقال لها: اخلعي هذا الخاتم فنزعته، وبعد حين من الدهر مات عمر فذهب إليها بعض جيرانها وقالوا لها: لقد مات الذي أمرك بنزع الخاتم، فالبسيه قالت: ((لا، والله ما كنت لأطيعه حيًّا وأعصاه ميتاً)). تمرنوا على هذا الأمر على حسن الإتباع في كافة الأوضاع لسيدنا رسول الله e لأن الإتباع يورث محبة الله: (فاتبعوني يحببكم الله)!! وبعد حب الله تأتى العطية الثانية ببركة إتباع النبى صلى الله عيه وسلم: (ويغفر لكم ذنوبكم) (31 آل عمران). إذن الإتباع ثمرته محبة الله عزَّ وجلَّ والمغفرة منه سبحانه.

العلامة الثانية التسليم لشرع الله:

       قال تعالى فى محكم التنزيل:  (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضبت ويسلموا تسليماً) (65سورة النساء)، أن يجد الإنسان – في صدره وفي قلبه وفي فؤاده – الرضا التام عن كل أمرٍ أمرَ به النبي المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام، فلا يجد اعتراضاً في فؤاده على شئ من شرع الله، ولا يجد تنازعاً في عقله على حكم قضاه وقضى به رسول الله. بل يسلم بكل ما جاء في شرع الله، ولا يسمح لعقله أن يحكم على أمر قضى به الله أو نزل به رسول الله صلى الله عيه وسلم لأن أمور الشريعة فوق العقول. وإنما يقول دائما ويعتقد بكل يقين إن كان هذا الأمر جاء من الله إذاً ليس لنا دخل بهذا الأمر فلا نسمح للعقل أن يفكر في أي أمر شرعي لأن الأمور الشرعية أمور إلهية وإذا كان العقل لا يدري شيئاً عن العقل فكيف يدرك النقل الذي نزل من عند خالق العقل عزَّ وجلَّ؟!!!

      أين العقل لكي نعرفه أو لكي ندركه؟ فلا مجال هنا لتحكيم العقل فيسلم تسليماً لكل أحكام الله ولكل شرع الله ولكل ما جاء به رسول اللهصلى الله عيه وسلم ويعمل طوال حياته بقول الله: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (7 الحشر)، لا يتحايل؛ وعلى سبيل المثال: { أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عيه وسلم ذَهَبًا بِيَمِينِهِ وَحَرِيرًا بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌ لإِنَاثِهَا} (عَنْ عَلِيٍّ مسند البزار). لا يجتهد ويقول عيار 18 حلال!!! طالما قال صلى الله عيه وسلم أنه حرام يبقى حرام ولا نفتح هذا الباب.

      فباب الحب الصادق – والذى ينتج التسليم الكامل – هو هذا الباب الذي دخل منه الأصحاب، والذي دخله الصالحون إلى يوم الدين، هو باب الحبِّ لسيد الأولين والآخرين صلى الله عيه وسلم، ولا يوجد باب غير هذا الباب ويقول في هذا الإمام أبو العزائم رضي الله عنه:

من لحظة في الحب تشــــهد وجهه

وتفوز منه بســـــــــره والحــال

تعطى العلوم وتشــــهدن فتترجمن

بلســــــــان أهل القرب والأبدال

تعطى الجمــــال فلا يراك مصدق

إلا ويشـــــــــهد نوره المتلالــي

من أين هذا العـــــلم والنور الذي

أعطيته من لحظة في الحـــــــال؟

من حب قلبي للحبيب محمــــــــد

نلت المنى بل نلت كل آمــــــــــالي

      وبالمثال يتضح المقال: أصحاب النبي صلى الله عيه وسلم، منهم الرجل الذي قال له النبي: { كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثُ؟ قَالَ: أَصْبَحْتُ مُؤْمِنًا حَقًّا، قَالَ: انْظُرْ مَا تَقُولُ، فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةً، فَمَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكَ؟ فَقَالَ: قَدْ عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا، فَأَسْهَرْتُ لِذَلِكَ لِيَلِيَ، وَأَظْمَأْتُ نَهَارِي، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ يَتَضَاغَوْنَ فِيهَا، فَقَالَ: يَا حَارِثُ، عَرَفْتَ فَالْزَمْ (ثَلاثًا)، وقال لمن حوله: عبد نور الله بالإيمان قلبه} (الطبراني في الكبير وأبي نعيم في معرفة الصحابة). كيف وصل لهذا المقام؟ بحب المصطفىعليه أفضل الصلاة وأتم السلام. الذي وصل لعلم الإلهام سيدنا الإمام عليرضي الله عنه وكرم الله وجهه وقد قال فيه الإمام الجنيد رضي الله عنه: (رحم الله أبا الحسن لولا الحروب لاستفدنا منه علوما كثيرة)، لقد كان يقول: لو فسرت فاتحة الكتاب بما أعلم لوقرتم سبعين بعيراً – تحملوا سبعين جملاً من تفسير الفاتحة! من أين هذا العلم؟ من أي مكتبة؟ ومن أي مصدر؟ من حب الحبيب الأعظم صلى الله عيه وسلم.

       كلما ترى حبا في الدنيا: من بدئها إلى ختامها، من أحد لأحد أو من أحد لعرض، حتى الذي يحب المال والجاه أو الذي يحب أي شيء في هذه الحياة فاعلم علم اليقين قول الله: (والذين آمنوا أشد حباً لله) (165البقرة)،أي لا يساويهم أحد في هذا الحب، وبسر هذا الحب فازوا ونالوا كل ما يطلبون ويبتغون.

     لماذا نحب رسول الله؟ لأنه السبب الذي سيوصلنا إلى حضرة الله وهو السبب في الإسلام والإيمان والهداية وجميع الخيرات التي نحن فيها..

ومن قبل كنا ظلاماً وجهلاً

فـصرنا بطه رجالا فحولا

      أصبح لنا قيمة ومكانة عند الله وبين جميع الأمم التي خلقها الله ببركة وبسبب رسول الله صلى الله عيه وسلم وليس بسببنا نحن. فيجب أن يكون هذا الحب أعلى وأرقي من أي حب آخر لأي شخص أو أي عرض آخر، لأنه محبوب الله ويجب أن نحبه لكي يحبنا الله، وعلامات الحب الصادق لكي أعرفها وأقيس نفسي بها ولكي أطمئن أنني سأحصل الثمرات والخيرات والبركات والنفحات والعطاءات التي جعلها الله عزَّ وجلَّ للصادقين والصادقات في حبهم لخير البريات صلى الله عيه وسلم،والعلامات من كتاب الله: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) ما هو العطاء؟ (يحببكم الله) (31 آل عمران). فيم نتبعه؟

      في كل صغيرة وكبيرة، في كل طرفة عين، في كل كلمة تسمعها الأذن، في كل حرف ينطقه اللسان، في كل شيء تمتد إليه الأصابع واليد والبنان، في كل حركة تتحرك بها الرجل في هذه الحياة لابد أن تكون ماشية على قدم النبي العدنان: {لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ} (رواه البيهقي عن عبد الله بن عمرو). لا ينفع أن يكون لك هوى، ثم هوى إلى الله ورسوله، وسيدنا رسول الله نفسه ليس له شيء لأنه كله لله: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) (163الأنعام)، كلُّه لله وتولاه مولاه، ونحن لنا مقام في هذا الأمر: (والله يتولى الصالحين)(196الأعراف).

      فالذي يسير على هذا النهج يتولاه الله بولاية تامة كاملة سابقه، كما تولى حبيب الله ومصطفاه صلى الله عيه وسلم، بشرط أن يكون كله لله ولا يكون على هواه. فهو لا يعترض ظاهرا أو باطنا على أمر شرعه الله، أو أي قضاء أو حكم قضاه رسول الله. وإياكم أن يقول أحدكم: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، لأن الإسلام لا يوجد فيه دنيا ودين، ولكن الإسلام الدنيا كلها دين، فهذا الكلام الذى يفصل الدنيا عن الدين هو في الأديان الأخرى، لكن عندنا ليس عندنا فصام بين الدين والدنيا، دنيا المؤمن كلها دين!!! لأن المؤمن إذا جعل قبل كل عمل نيَّة، كان العمل مكافئ عليه من ربِّ البرية عزَّ وجلَّ ، حتى ولو كان شهوة دنية، لأنه لو نوى قبلها نيَّة لله يصبح عملاً صالحاً لله، لو أنه سيأكل ويشرب وينوي بهذا العمل التقوى على طاعة الله، أو أي نيَّة صالحة يصبح هذا العمل عبادة لله. فالمؤمن يستطيع أن يجعل حياته كلها عبادة لله فلا يقول: أنتم أعلم بأمور دنياكم، ولا يقول أن هذا الموضوع ليس له دخل بالدين ولا العلماء يفتوا بشأنها لأن الإسلام كله كل حياة الإنسان.

     فالسيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها: لما ذهب لها رسول الله وقال لها: تزوجي زيدا، وهذا أمر دنيوي كما يتصور البعض فقالت:يا رسول الله: أنا لا أحبه، فقال لها ثانية: تزوجي زيداً، فنزل قول الله عزَّ وجلَّ: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)، والذي لا يسلِّم لهذا الكلام يكون عاصياً: (ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً) (36 الأحزاب والعصيان هنا مخالفة الأمر، مع أننا متوقعين أنه شيء دنيوي: لكن رسول الله ينظر بعين الله، ونظرته يجب أن نعلم علم اليقين أن فيها النفع في الدنيا وفيها السعادة يوم لقاء الله، ولو شككنا في هذا الأمر واعتقد الإنسان فينا أن نظرته أتم وأشمل من شرع الله ومن نظرة رسول الله، بماذا نقول في ذلك؟ نقص في الإيمان، ونفاق في القلب والجنان.

لكن لازم أعتقد وأعلم علم اليقين، أن نظرة رسول الله صلى الله عيه وسلمفيها الصلاح للدنيا وفيها السعادة للإنسان يوم الدين لأنها: (على بصيرة أنا ومن اتبعني) (108يوسف ينظر على بصيرة لأنها أنوار إلهية في ذاتها منيرة، ترى غيب السريرة، وترى كل شيء بنور الله عزَّ وجلَّ، الذي أشرق على ذات الحبيب، وعلى بصيرته صلى الله عيه وسلم. فيلزم للإنسان أن يسلم تسليما تاما لرسول الله صلى الله عيه وسلم، وهذه هى العلامة الثانية من علامات الحب الصادق لجنابه العظيم صلى الله عيه وسلم.

العلامة الثالثة الإكثار من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم

     من قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً)  (56سورة الأحزاب). العلامة الثالثة يقول فيها الحبيب: {من أحب شيئاً أكثر من ذكره} (شعب الإيمان للبيهقي عن قول أبو عبد الرحمن ومالك بن دينار والحليمي رحمه الله). فالذي يحب رسول الله يذكره على الدوام، وكيف يذكره؟ يصلي عليه صلى الله عليه وسلم. وإذا كان معك كمبيوتر نوراني فاصدر له الأمر أن يبحث في ملفات الصالحين ويرى ما سرُّ قربهم؟ تجد أنهم كلهم كانوا مشغولين بالصلاة على حبيب الله e، وما مقدار هذه الصلاة؟ على الدوام، ويكفي قول سيدنا أُبيّ بن كعب لرسول الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليمات عندما قال له: { يا رسول الله كَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلاتِي؟ قَالَ: مَا شِئْتَ، قَالَ: الثُّلُثُ؟ قَالَ: مَا شِئْتَ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ أَفْضَلُ، قَال: النِّصْفُ؟ قَالَ: مَا شِئْتَ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ أَفْضَلُ، قَالَ: أَجْعَلُ لَكَ صَلاتِي كُلَّهَا؟ قَالَ: إِذًا يَكْفِيكَ اللَّهُ هَمَّكَ، وَيَغْفِرُ لَكَ ذَنْبَك } (عن أبي بن كعب، رواه الألباني في صحيح الترغيب ومشكاة المصابيح).

     أين نحن من هذا الحديث؟! ودائما نشتكي من الهموم والغموم والمحن ونشتكي من الإحن، أليس هذا الشفاء والدواء؟!أيوجد أحد يكثر من الصلاة على رسول الله ويناله ضيم ويصيبه فتنة! مستحيل لكننا للأسف مشغولين ويعاتبنا الله في كتابه الكريم: (شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا) (11 الفتح) … حتى أنهم ليس لديهم وقت للاستغفار، وهذا هو الحاصل الآن وربنا قال في القرآن: (وما كان ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) (22الأنفال). ونحن طبعاً لا نريد هذا الدواء، بل نريد من يشرب بالنيابة عنا الدواء ويتحقق لنا الشفاء.أيجوز أن أشرب دواء لمريض عندي في البيت لكي يشفى؟ وكذلك نحن نريد من غيرنا أن يستغفر لنا !! وأن يصلي على حضرة النبي لنا بدلاً عنا !!! وذلك لكي تذهب عنا الهموم والغموم والمشاكل .. هل يصح ذلك؟ والرجل الذي ذهب لرسول الله وقال يا رسول الله: {أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ، بِكَثْرَةِ السُّجُودِ} (عن ربيعة بن كعب الأسلمى ، الأبانى ، صحيح أبى داوود).

      أي لابد حتماً أن تعمل أنت، لكن أنت تريد الجنة بدون عمل! لا يجوز! فعلاج مشاكلنا وهمومنا (وما كان ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) (22الأنفال). فلابد للإنسان أن يكثر من الصلاة على حبيب الله ومصطفاه صلى الله عيه وسلم.

      وهذا هو قوت الصالحين: منهم من كان يصلي على حضرة النبي في الصباح ألف مرة.وبالليل ألف مرة، ومنهم من كان يصلي على حضرة النبي كل يوم وليلة عشرة آلاف مرة، ومنهم من كان يصلي على حضرة النبي كل يوم وليلة أربعين ألف مرة. وهكذا أمثلة كثيرة … ومن جدَّ وجد!. وماذا وجد؟ وجد الأنوار، ووجه النبي المختار، والمعاملة بالملاطفة والأسرار، وكلها بالصلاة على حضرة النبي بالليل وبالنهار، لأنها الدليل الأعظم على محبة النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، حتى أن الشيخ أبو طالب المكيرضي الله عنه قال في كتابه “قوت القلوب”: (اصطلح العارفون أنه ينبغي لمن أراد طريق القوم ألا يقل في كل ليلة عن ثلاثمائة مرة في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتفقوا على ذلك: لأن الذي يريد الفضل الكبير لا بد أن يبذل الخير الكثير، ومن طلب الحسناء لم يغله المهر).

العلامة الرابعة تعظيمه وتوقيره صلى الله عليه وسلم

     وكتاب الله نجد فيه ما الدليل على وجود الحب؟ الدليل هو: (وتعزِّروه وتوقِّروه) (9 الفتح). تعظيم رسول الله، فعند سماع اسمه يختلج صدره، ويهتز قلبه، يتحرك جسمه لماذا؟ لأنه سمع اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمجرد أن يسمع سيرة رسول الله يؤخذ بالكلية، وعندما يكون في أي أمر ويحضر من يذكره برسول الله صلى الله عليه وسلم تجد أن حاله تغير، وفكره استدار، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو قرة عين المحبين، وهو إنسان العين للمحبوبين فلا يرون إلا به صلى الله عليه وسلمفي كل فتح وفي كل كشف، وفي كل تمكين.

       وهذا كان حال أصحاب رسول الله، حتى إن الواحد منهم عندما كان يذكر أمامه رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعضهم يمكث ساعات لا ينتفع به من شدة الوجد الذي حدث له لتذكره لرسول الله الأعظم صلى الله عليه وسلم.

سيدنا بلال رضي الله عنه بعد انتقال الحبيب إلى الرفيق الأعلى لم يطق أن يظل في المدينة المنورة بدون ضيائها وبهائها وشمسها وجمالها وكمالها، فاستأذن سيدنا أبا بكر ليذهب إلى الشام وبعد حين إذا به يرى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ويقول له: { يا بلال ما هذه الجفوة؟ أما آن لك أن تزورنا؟ }، فذهب فوراً لمدينة رسول الله، وكان معه مقتنياته، وكان لا يملك من الدنيا إلا العصا وماعزا يحلبها وقصعة يأكل فيها ويتوضأ فيها ويغسل ملابسه فيها – ووصل لرسول الله صلى الله عيه وسلم قبل الظهر بقليل، فارتمى على الروضة الشريفة وأخذ يبكي وإذا بالحسن والحسين يرّبتان على كتفه ويحتضنانه ويقبلونه ويتوسلان له ليؤذّن، وقالوا له: أذن لنا كما كنت تؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما قال: (الله أكبر)؛ إذا بالمدينة كلها تخرج كأنها في يوم النشور وعندما قال: (أشهد أن لا إله إلا الله)؛ إذا بالبكارى تخرج من عواتقها، والنساء تخرج من خدورها، وطرق المدينة تمتلئ من دموع أهلها لأنهم تذكروا حبيب الله ومصطفاه صلى الله عليه وسلم، وقال الحاضرون: فلم ير باكياً أكثر من هذا اليوم. لماذا؟ لأنهم تذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم!!

       لازم الإنسان يوقر ويعظم رسول الله عند ذكره … ساعة أن يسمع اسمهصلى الله عليه وسلم، فكيف بالناس الآن؟!!! عند أي شئ يقولون والنبي تعمل كذا والنبي هات كذا! .. هذا كلام يستوجب التأديب لمن يفعل ذلك من الأنام. الحبيب الذي أقسم به مولاه، فكيف نقسم به على شئ تافه في هذه الحياة!!، قال له مولاه: (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) (72الحجر)!!

      فبعد قسم الله به، أأقسم به لكي يعطيني أحد مالاً! أو زاداً! أو ملبساً! أو خلافه!! لا يجوز أن أقسم بحبيب الله إلا إلى ذات الله في أمر مهم لا أجد له مخرجاً إلا من حضرة الله، وهذا هو الذي اصطلح عليه الصالحون والعارفون: مثلاً وقعت في ضيق وفي شدة لا أجد لها مخرجاً إلا عند الله، فأتوسل به إلى حضرة الله، لكن أجعل رسول الله عرضة لكل شئ!! فهذا كلام يستوجب التأديب والتهذيب لأنه عرض حضرة النبي صلى الله عليه وسلم لما لا يليق.

العلامة الخامسة الفرح برسول الله صلى الله عليه وسلم

     أيضاً من العلامات التي تدل على حب رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قل بفضل وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) (58يونس). إن الإنسان يفرح برسول الله، يفرح بميلاده، يفرح بزيارته، يفرح بسماع سيرته، يفرح بمتابعته، يفرح أعظم الفرح إذا أكرمه الله برؤياه أو إذا تعطف عليه ولمعت سواطع أنوار وجهه في هذه الحياة لأنه يعلم علم اليقين أنه من المعنيين بقول الله: (ويشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً) (57الأحزاب).

    لابد أن يفرح برسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من فرحه بأي أمر في هذه الحياة بلا جدال ولا نزاع. لابد … علامات كثيرة ذكرناها من كتاب الله تعالى تدلِّل على محبة الإنسان لرسول الله صلى الله عيه وسلم، نكتفي بهذا القدر منها، وهي مبثوثة في كتاب الله جلَّ وعلا!! وموجودة في أحوال الصحابة الكرام، وظاهرة على أحوال السلف الصالح من بعدهم إلى يومنا هذا.

*********************

من كتاب: (الجمال المحمدي) – فضيلة الشيخ فوزى محمد أبوزيد

رئيس الجمعية العامة للدعوة إلى الله – جمهورية مصر العربية