أحدث المقالات
الرئيسية / السيرة الذاتية لفضيلة الشيخ محمد علي سلامة / العَارِفُ باللهِ تعالى فَضِيلَةُ الشَّيخ مُحَمَّدُ عَلِى سَلامَة

العَارِفُ باللهِ تعالى فَضِيلَةُ الشَّيخ مُحَمَّدُ عَلِى سَلامَة

بسم الله الرحمن الرحيم

العَارِفُ باللهِ تعالى فَضِيلَةُ الشَّيخ مُحَمَّدُ عَلِى سَلامَة

سِيِرَة  وسَرِيِرَة

    الحمد لله الذى أنعم على أوليائه بدوام طاعته، وأعانهم على ذكره وشكره وحسن عبادته، وهيأ قلوبهم لأنوار حضرته، وجعلهم نجوماً مشرقةً للصالحين من بريَّته. والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى سيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، غَوثِ الأَنَام، ومِصْبَاحِ الظَّلام، والشَّفِيعِ الأَعْظِمِ للخَلائقِ يَومَ الزِّحَام. ورَضِىَ اللهُ تباركَ وتعالى عَنْ أَصْحَابِهِ الكِرَام، وَوَرَثَتِهِ مِنْ العُلماءِ العاملين، والصِّدَّيقِينَ والشُّهَدَاءِ والصَّالحين، وكُلِّ من سلك طريقَهُم، وتمسَّك بهدْيِهِم إلى يومِ الدين. آمين .. آمين، يا ربَّ العالمين.

    فهذه سيرة رجلٍ من كُمَّلِ العارفين، ومن خاصةِ خاصةِ المقربين، ورِثَ العلوم الظاهرة، وعمل بها على هَدْىِ النُّبُوَّةِ الطاهرة، فأفاض الله عليه من أسراره الباهرة، وصفاته النيِّرة، ووهبه مواهبَ المقربين، ومشاهدَ المحبوبين، وصفاتِ كُمَّلِ الوارثين.

   وهو بعد ذلك تراه أعّيُنُ الخَلْقِ فى تواضعِ المُخْبِتِين، وخشوعِ الزاهدين، وانكسارِ المقربين. وَسِعَ الجميع برحمته، وعمَّهُمْ بعطفِهِ ومودَّتِه. فهو للصغير أبٌ رءوفٌ رحيم، وللكبير أخٌ شفوقٌ عطوف، وللمساوى يرفعُ قدْرَه، ويُظْهِرُ أمره، ويُعْلِى شأنَه، وإن كان دونَهُ فى العِلْمِ والمنزلة. تحققت أحواله بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(إنَّ الله يُحِبُّ العَبْدَ التَّقِىَّ الخَفِىّ)

(رواه أحمد ومسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه).

مَوْلِدُهُ ونَشْأَتُه

   وُلِدَ الشَّيْخُ رضى الله عنه فى أسرةٍ مباركة بقريةِ هِهْيَـا محافظةِ الشرقية، وذلك فى العشرين من نوفمبر، سنةِ ألفٍ وتسعمائة وثمانية وعشرين ميلادية. فتربَّى منذ نعومة أظفاره على التُّقى والورع. حفظ القرآن الكريم كله صغيراً، وأتم تجويده، وبعد ذلك أَلَمَّ بالقراءاتِ السبعِ المتواترة. ثم التحق بمعهد الزقازيق الديني، وأتم فيه دراستَهُ الإعداديةَ والثانوية.

    تَعَلَّقَ بالعلمِ والعلماءِ تَعَلُّقاً بالغاً، وأقبل عليه بِنَهَم ٍ شديد، حتى أنَّه كان لا يُرَى إِلاَّ ومَعَهُ كتابٌ ديني يطالعه، أو مع عالمٍ يستوضِحُهُ ويُنَاظِرُه، أو مشغولاً بعبادة ربِّهِ عَزَّ وجلَّ. تَعَلَّقَتْ رُوحُهُ بِرَجُلٍ مِنْ صَفْوَةِ الدُّعَاةِ إلى الله عزَّ وجلّ، وهو الشيخ عبد السلام الغريب، وهو من صفوة أتباع الإمام السيد محمد ماضى أبى العزائم رضى الله عنه، فاقتبس منه العلم النافع، وتلقى منه الحال الرافع.

    توفى والده رضى الله عنه وترك له ولإخوته خيراً كثيراً، وقام له إخوته بالواجب عليهم خير قيام، إلاَّ أنه رضى الله عنه لشدة عفة نفسه آثر أن يبنى نفسه بنفسه، وأن يتولى الإنفاق على نفسه من كَدِّهِ وَتَعَبِه. وتصادف أن أعلنت وزارة الأوقاف عن مسابقة لتعيين أئمةٍ بها بالثانوية الأزهرية، فتقدَّم إليها ليُمَارِسَ مُنْيَتَهُ ورغبته فى الدعوة إلى الله عزَّ وجلّ، فَعُيِّنَ إماماً فى وزارة الأوقاف بالثانوية الأزهرية فى مسجد عزبة العسكر بين مدينة أسوان والخزان سنة 1954م.

    إلتحق بكلية أصول الدين التابعة للأزهر الشريف بالقاهرة، حتى حصل فيها على درجة الإجازة العالية فى الدعوة والإرشاد سنة 1960م. تأثر فى طريقته بتلاوة القرآن، بالشيخ محمد سعيد نور، الذى كان يقرأ قرآن الجمعة قبل الصلاة، بمسجد الخازندارة، فكان يَبْكِى طوال قراءته لشدة تأثره بكتاب الله، ويُبْكِى السامعين.

    ترقى بعد ذلك فى المناصب القيادية بوزارة الأوقاف حتى وصل إلى درجة مدير عام لمديرية الأوقاف بورسعيد سنة 1980م. هذا وقد فاز بالمركز الأول فى المسابقة التى أجرتها وزارة الأوقاف بين السادة الأئمة فى كتابة موضوع يبين ناحية من نواحى عناية الإسلام بالإنسان، وذلك عام 1990م – 1410هـ  وكان بحثه بعنوان: (حقوق الإنسان فى الإسلام). تسلم الجائزة من السيد رئيس الجمهورية، فى الاحتفال الذى أقيم بهذه المناسبة، يوم الأربعاء 28 من رجب 1411هجرية، الموافق 13 من فبراير 1991ميلاية، وكان من جملة التكريم أداء فريضة الحج على نفقة الوزارة فى ذلك العام.

جِهَــــادُه

    كان رضى الله عنه من العلماء العاملين، الداعين إلى الله عَزَّ وجَلَّ على بصيرة، وقد نَذَرَ نَفْسَهُ ومَالَهُ وحَيَاتَهُ كلَّها لله عزَّ وجلَّ، وقام فى سبيل ذلك بما يلى:

   أولاً: أسَّسَ جمعية الدعوة إلى الله عام 1985م، وأعلن أن بغيتها العمل على إنهاء التمزق والتفرق الذى أصاب المسلمين، والعمل على توحيد صفوفهم وجمع شملهم، وبيان المنهج الأمثل للدعوة إلى الله، بالحكمة والموعظة الحسنة، والقدوة الطيبة.

  ثانياً: عالج فى زياراته – التى لم تنقطع- ومحاضراته وكتبه، الظواهر الاجتماعية الملحة فى عصره. فعالج المشكلات الاجتماعية الكبرى بالوصف والتحليل، ووضع العلاج المناسب لها من القرآن والسنة، كظاهرة الغِشّ، والمشكلاتِ الاقتصادية، وقضيةِ انتشار المخدرات، والمشكلةِ السكانية، ومعاملةِ غيرِ المسلمين فى المجتمع المسلم، وقيمةِ الوقت، والتهاون بالصلاة، وغيرها.

  ثالثاً: تحدث عن هموم العالم الإسلامى، وَوَصَفَ الطريقَ الصحيح لإصلاح أحوال المسلمين، وبَيَّنَ الكيفيَّة التى يتم بها عودة الرُّوح الإسلامية، وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، ومسئولية الأمة فى تبليغ دعوة الله، ودور العلماء الأجِلاَّء فى الرَّد على المستشرقين.         

   رابعاً: استشرف برُوحِهِ الصَّافية المعارك الإسلامية الكبرى المعاصرة، ووصفها وَصْفَ الخبير العالم ببواطن الأمور – وذلك قبل وقوعها – كمعركة العاشر من رمضان، وحروب العراق.

  خامساً: عالج ظاهرة الخلاف فى الصحوة الإسلامية المعاصرة، وأَبَانَ شُبُهَاتِهَا، ووضَّح الطريقة السديدة فى تناولها، حتى يَظِلَّ شَمْلُ المسلمين مجتمعاً.

  سادساً: لم ينس أهم أساس فى بناء المجتمع المسلم – وهو الأسرة، فأولاها عنايته، وبيَّن المنهج الإسلامى فى تربية النشء، ومدى عناية الإسلام بالمرأة، وكيفية تكوين الأسرة الفاضلة.

  سابعاً: بَيَّنَ – بِحَالِهِ وخُلُقِهِ وقَالِه – التربية الرُّوحية الصَّافية التى يحرص عليها التصوف الإسلامى الصحيح، وكَشَفَ أحوال المُدَّعِين والمُنْتَسَبِين زُوراً وبَاطِلاً إلى الصالحين، بأن جعل المقياس الصادق للحكم على أحوال الصالحين، هو موقفهم من الشريعة المطهرة، وموقف الشريعة منها.

تقدير العارفين لمكانته

    يروى الشيخ الأمير محمد الحفني – مفتش الدعوة بوزارة الأوقاف آنذاك – أن فضيلة الشيخ محمد على سلامة نزل بصحبته وبعض الرفاق  بدار العارف بالله سيدى أبو الوفا الشرقاوى بنجع حمادى، وكان الشيخ أبو الوفا فى تلك الآونة مريضاً لا يقابله فيها أحدٌ مهما كان وضعه، فما أن ولجوا الدار إلاَّ وأَحَدُ أبناء الشيخ الكبار يدعوهم للدخول عليه فوراً فى حجرته. وهو أمر اعتبره خارقٌ للعادة لأن وزير الأشغال الأستاذ أحمد عبده الشرباص ومعه وكلاء الوزارة ومفتشوها – طلبوا المقابلة – وكان الشيخ أبو الوفا الشرقاوى آنذاك قوياً فى صحته – فعاد أحد أبناء الشيخ، وأخبرهم أنه يعتذر عن المقابلة فألح الأستاذ الشرباص فى المقابلة وألح الشيخ فى الرفض، وبعد أن قدمت إليهم التحية انصرفوا.

    ولكن عند قدوم الشيخ محمد على سلامة والرفاق، أَذِنَ لهم بالدخول، فدخلوا على فضيلة الشيخ أبو الوفا الشرقاوى وهو فى حالة إعياء شديدة، فطلب منهم الدعاء وامتد بصره إلى الشيخ محمد على سلامة طويلاً، وأمره – من بينهم – أن يُلْقِىَ شيئاً من العلم والموعظة.

    فقال الشيخ الأمير للشيخ محمد على سلامة: لا بد من التنفيذ، فانطلق الشيخ محمد على سلامة يتكلم بطلاقة شيِّقة، وبَدَتْ على الشيخ أبو الوفا الشرقاوى علاماتْ البَهْجَةِ والانشراح، بحالةٍ أعادتْ له الحيويِّةَ والقُوَّة، ووَدَّ أَنْ لَوْ أطال  الشيخُ محمد على سلامة فى كلمته. فانظر كيف يعتذر الشيخ أبو الوفا الشرقاوى عن مقابلة العظماء وهو صحيح، ويطلب مقابلة الشيخ محمد على سلامة وهو سقيم !!

مَنْهَجُهُ فِى الدَّعْوَةِ إلى الله

   1- القُدْوَةُ الحَسَنَة: أقبل على الله عَزَّ وجَلَّ إقبالاً كُلِّياً، لَيْلُهُ قائماً يتلو كتاب الله بِصَوتٍ خاشع، وكان يَقْرَأُ فى كُلِّ ليلةٍ رُبْعَ القرآن، أى أنه كان يَخْتِمُ القرآنَ كُلَّ أربع ليالٍ مرة.

    تعرف على ذوى الحاجات، وكان يمدُّ لهم يد المساعدة فى طىّ طىّ الخفاء، حتى أنَّ أُمَّهُ – رحمة الله عليها كانت ترسل إليه ثلاثين جنيهاً كل شهر وكانت ذات قيمة كبيرة فى ذلك الزمن علاوة على راتبه، وكل ذلك ينفقه على أصحاب الحاجات.

   حاول أن يقضى على مشاكل عادة الأخذ بالثأر، والتمسك بزواج الأقارب، ورفض زواج الأجنبى عن العائلة، وغيرها، وحاول أن يقضى على هذه المشاكل باقتلاعها من جذورها، بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالتدرج فى تلك الأمور، فوصل إلى الغاية المنشودة التى يرجوها فى هذا الصدد.

   خفف من غلواء التعصب القبلى، واستطاع بصدقه وإخلاصه أن ينزع الشحناء والبغضاء، وأن يجعل الجميع إخوةً متآلفين متحابين.

   كان يَتَقَرَّبُ ويُقَرِّبُ كُلَّ شخصٍ بما يناسبه، ليجذبه إلى الله عزَّ وجلّ، ويسلِّم على الصبيان، ويوزع عليهم الحلوى أو النقود، تحبيباً لهم فى طريق الله، ويردِّد فى ذلك حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ فِى الجَنَّةِ دَاراً لِمُفرِّحِ الصِّبْيَان)(ابن عدي في الكامل عن عائشة رضي الله عنها)

    كان يكثر من مجالسة الفقراء والمساكين، ويعودهم إذا مرضوا، ويعزيهم إذا مات لهم قريب، ويهنئهم ويحضر أفراحهم، جبراً لكَسْرِ قُلُوبِهِم، ويرى أن تلك أعظمٌ عبادةِ الدُّعَاةِ فى الإسلام، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما عُبِدَ اللهُ بشىءٍ أفْضَلَ مِنْ جَبْرِ الخََاطِر ) (السخاوي في المقاصد الحسنة)

    ومن هنا فقد وَضَّحَ رضى الله عنه – الكيفيةَ السليمة للدعوةِ إلى الله، وهى أن يكون الدَّاعىَ أسْبَقَ الناس إلى العملِ بما يقول، وأنْ يكونَ صَدْرُهُ رحباً يَسَعُ الجميع، ذا شفقةٍ وعطف على الصغير والكبير، صاحبَ إحساسٍ رقيقٍ وشعورٍمرهف، يتعرف بمجرد النظر فى الوجوه، إلى ما يتخلل فى الصدور.

          وكان يرى أنَّ الدَّاعِىَ يجب أنْ يمكثَ فى المكان الذى يدعو إلى الله فيه، ولا يسارع بالخروج منه، إلا بعد أداء مهمته التى قصدها، وإكمال رسالته التى حددها، وذلك تطبيقاً لقول الله عزَّ وجلَّ: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) (24السجدة)

2- الصِّدْقُ والإخْلاص: وكان يرى أن أهم ما يلزم الداعى لتحقيق رسالتهِ، صِدْقُهُ فى دعوتِهِ، وإخلاصُهُ فى نِيَّتِه، فإنَّ هذا يجعلُ القلوبَ تستجيبُ لَهُ، وتتأثرُ بهديه، وقد ضرب فى هذا أمثلةً كثيرة، كانتْ مثارَ إعجابِ العلماءِ والصالحين.

          كان لا يرجو بحركاتِهِ أو سكناتِه إلاَّ وجْهَ اللهِ عزَّ وجلّ، ولذا كان يَفِرُّ من الشُّهرة، ويُنْكِرُ ذاتَه، وينسبُ ما قام به من العملِ لغيرِه، وشعارُهُ دائماً كان قول اللهِ عزَّ وجلّ: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءاً ولا شُكُورًا) (9الإنسان)

 3- الدَّعْوَةُ إلى الأُلْفَةِ وَنَبْذِ التَّعَصُّب : كان رضى اللهُ عنه وأرضاه أَحْرَصَ ما يَحْرِصُ عليه، هو جَمْعِ شَمْلِ المسلمين، ونبذِ الخلافاتِ والعصبياتِ من نفوسهم، سواءٌ فى المذاهبِ الفقهية، أو الآراءِ الدينية، أو فى سلوكِ الطرقِ الصُوفيَّة.

          ففى المذاهبِ الدينية: كان يرى أن يلتزم الداعى بالمذهب السائد فى المكان الذى يدعو فيه، حتى لا يُثِيرُ خلافاتٍ لا داعى لها بين المسلمين، خاصةً وأن المذاهب الفقيهة على كثرتِهَا لا خلافَ بينها فى الأصولِِ الثابتة، وإنَّما الخلافُ فى الفروع، والتى الأمر فيها على السعة، وكلُّها مَرْوَّيةٌ عن سيِّدِنا رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.

 4- الوَفــاء : كان رضى الله عنه وأرضاه يردد كثيراً الحديث الشريف الذى يقول:  (حُسْنُ العَهْدِ مِنَ الإِيمَان)(متفق عليه)، وكان يتلفظ فى كل موقف بالآثر القائل:  ( مَنْ صَنَعَ معروفاً أبْقَاه، ومَنْ زَرَعَ زَرْعاً والاه، ومَنْ غَرَسَ غَرْساً سَقَاه)

 البَاقِيَاتُ الصَّالِحَات

           ترك رضى الله عنه آثاراً باقية، تضيفُ إلى رصيدِهِ عند الله عزَّ وجلّ فى كل يوم جديد مزيداً من الفضل الكبير، والثواب الجزيل، والأجر الحسن. وإليها الإشارة بقول الله عز وجل : (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً) (46الكهف).

1- الأثر البشرى: ترك رضى الله عنه أكثر من ألف رجل فى طريق الله عزَّ وجلّ، رَبَّاهُمْ على القيم والمبادئ الفاضلة، من الإخلاصِ والصدق، والصفاءِ والوفاء، والإيثارِ والبذل، والتضحيةِ فى سبيل الله بكلِّ غالٍ ونفيس. وهذَّب نفوسَهُم مِنْ رُعُونَاتِها ونَزَغَاتِهَا، وَصَفَّى قُلُوبَهُم ورقَّاهٌم إلى المنازلِ العالية، حتى صاروا أئمةً يَدْعُون الناس إلى الله عزَّ وجلّ، لا لنوالِ عطاء، أو رغبةٍ فى جزاء، وإنَّما ابتغاءَ رضوانِ الله، وطمعاً فى حُبَّهِ ورِضَاه.

2- أثرُه الصَّوْتِى:  حَبَا اللهُ َّ الشيخَرضى الله عنه – بصوتٍ رُوحَانِى، كان يرتِّلُ به كلامَ الله النُّوارَنىّ، أثناء دُرُوسِهِ وخُطَبِه، فيتركُ فى نفوسِ السامعين أثراً بليغاً، لرقتِهِ وخشيتِه، وَعُذُوبتِهِ وطَلاوَتِه. سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أحسن صوتا للقرآن وأحسن قراءة؟ قال: (من إذا سمعته يقرأ أريت انه يخشى الله) (سنن الدرامى).

        كلف الدكتور المرحوم عبد المنعم النمر وزير الأوقاف الأسبق مولانا الشيخ بترتيلٍ كاملٍ للقرآن الكريم، على شرائط كاسيت، بصوته الندى، وخشوعه الروحانى، وقد سجله على واحد وأربعين شريطاً وهو متوفر وموجود الآن.

 3- تراثه العلمى:  ترك رضى الله عنه ستة وعشرين كتاباً تشمل كل نواحى الحياة الإيمانية، وقد أملاها كلها رضى الله عنه من عالم الغيب، بدون الرجوع إلى مرجعٍ أو كتاب، فقد كان يُملى وأحدُ مريديه النُّجَبَاءِ يَكْتُب، وهذا مما يدل على غزارة عِلْمِه، وتَمَكُّنِهِ فى بابِ المعرفةِ الإلهية، والعلومِ الدينية.

        وكان نهجه رضى الله عنه، فى أى قضية يعالجها، أن يستخرج الآيات القرآنية التى تتحدث عنها، ثم يقوم بشرحها على حسب ما يفتح الله عز وجل به عليه، ويستنبط بعد ذلك الأحكام والآداب التى يهدف إلى إقرارها.   هذا مع البعد عن الغموض والإغراب، أو إخراج الألفاظ عن مدلولها، أو الآيات عن المعنى الظاهر الذى يسوقه الله عزَّ وجلَّ فى ثناياها، حتى أنك عندما تسمع شرحََهُ للآياتِ القرآنية، يرتاحُ قلبُك، وينشرحُ صدرُك، وتشعرُ أنك تسمعُ هذه الآياتِ لأولِ مرَّة. ويُؤيِّدُ كلامَهُ بعدَ ذلكَ بالأحاديثِ الصحيحة. وكان يتحرى فيها صِحَّةَ السَّنَد، ثُمَّ ما صَحَّ من كلامِ الرجال رضى الله عنهم.

 مُؤلفَاتُه

أولاً : الفتاوى والأحكام:

1- مصابيح على طريق الإيمان (3 أجزاء).        2- من منابع الدين الحنيف .

3- حكمة الحج وأحكامه.                                 4- الصوم عبادة ومجاهدة .

 ثانياً: العقيدة الإسلامية:

1- التوحيد فى القرآن والسنة.                         2- علامات وقوع الساعة .

3- حوار حول غوامض الجن.                            4- مواقف بعض الأنبياء والرسل فى القرآن الكريم.

5- أيام الله.                                                     6- شعب الإيمان .

7- الإسراء معجزة خالدة .

 ثالثاً: الأسرة المسلمة

1- توجيهات فى بناء الأسرة.                           2- حقوق الإنسان فى الإسلام .

3- قبس من معانى سورة النور.                     4- خواطر إيمانية حول تنظيم الأسرة  والمشكلة السكانية.

 رابعاً: الدعوة الإسلامية

1- كيف يدعو الإسلام الناس إلى الله.               2- الإنسان الوسط .

خامساً : التصوف الإسلامى

1- الإمام أبو العزائم كما قدم نفسه للمسلمين.       2- أنوار التحقيق فى وصول أهل الطريق.

3- عبادة المؤمن اليومية.                                      

4- شرح الفتوحات الربانية فى الصلوات على خير البرية للإمام أبى العزائم .

5- قطرات من بحار المعرفة .

6- الجواب الشافى على أسئلة الحكيم الترمذى فى كتابه ختم الأولياء

7- ندوة عن التصوف .                                          8- بريد إلى القلوب (جزءان) .

 سادساً: الحديث الشريف

شرح رضى الله عنه مائة واثنين من الأحاديث الشريفة بلغة مبسطة سهلة وقدمها فى حلقات بإذاعة القناة وجمعت فى كتاب: (من هدى النبوة) (جزءان).

لقاء الله

           أجرت وزارة الأوقاف المصرية مسابقة بين الأئمة تتضمن كتابة موضوع يبين ناحية من نواحى عناية الإسلام بالإنسان وذلك فى عام 1410هـ – 1990م   وأعلنت أن الجائزة الأولى هى رحلة حج مجانية على نفقة وزارة الأوقاف.  وجهز الشيخ رضى الله عنه بحثاً قيماً بعنوان: (حقوق الإنسان فى الإسلام). وأعجبت لجنة المسابقات ببحثه أيما إعجاب، ورشحته للجائزة الأولى، وحدُد يوم الأربعاء الموافق 28 من رجب 1411هجرية لتكريم الفائزين فى الحفل السنوى الذى تقيمه الوزارة والذى يوافق ذكرى الإسراء والمعراج لتكريم الدعاة المبرزين ويحضر الحفل السيد رئيس الجمهورية ليسلم الجوائز بنفسه وبرفقته كبار رجالات الدولة .  وحضر الشيخ رضى الله عنه الحفل الذى أقيم فى قاعة الإمام محمد عبده بالأزهر الشريف وتسلم الجائزة من السيد/ رئيس الجمهورية، وأخطرته الوزارة بالاستعداد للحج على نفقة الوزارة.

          بدأ الشيخ رضى الله عنه يستعد لأداء فريضة الحج مسروراً، وخاصة أن وفقة عرفات فى هذا العام كانت ستصادف يوم الجمعه، أى أنها ستشبه حجة الوادع التى حجها رسول الله صلى الله عليه وسلم.  وفى تلك الآونة رأى فى منامه ربَّ العِزَّةِ جلَّ جلاله وخاطبه قائلاً: ( إنا اخترناك لتحج عن المسلمين جميعاً هذا العام ). فأوَّلها رضى الله عنه بأنها تشير إلى لقاء الله، فقد كُرِّمَ ظاهراً وباطناً، ونهاية التكريم تكون بلقاء الكريم. 

       فسافر إلى بلدته ههيا وسلم على الأهل والأحباب جميعاً على غير عادته وودعهم وداعاً حاراً.  وطلب رضى الله عنه من تلميذه الصادق الأستاذ فوزى محمد أبو زيد – خليفته القائم  أن يحجَّ معه ذاك العام، وأشار إليه بقوله: من الذى سيثبت الإخوان؟!  وبدأ رضي الله عنه يُلمّح إلى أنه مسافر فى الحقيقة ليلقى الله عزَّ وجلّ فى هذه الأماكن المقدسة تلبية لرغبته التى استجابها الله له.

          وكان يكرر فى دروسه بين الفنية والأخرى: ( لعَلَّنَا لا نتقابل بعد اليوم )، وعند خروجه من منزله مسافراً إلى السويس نظر  إلى السيدة زوجته وأطال النظر وقال لها: كنت أود أن أصحبك معى فى هذا السفر، ولكن قلت أتركك لتواسى الأولاد، قالت: ماذا تقصد؟ قال: أشعر أننى لن أعود من هناك. وكان هذا كلامه الذى يوجهه لجميع أحبابه ومعارفه بل صرح لخادمه الخاص قائلاً:  ( يا بُنى الأنبياء يدفنون حيث يموتون، وكذلك الأولياء – يعنى لا يصح نقلهم من بلد إلى أخر – يا بنى، لَمَّا أموت لا تبكى وخليك ثابت، لكى تستفيد من هذه المشاهد). وَبَشَّرَ رضى الله عنه إخوانه ومحبيه وتلاميذه بما رآه من رؤيا صالحة، فقد رأى سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له:  (أبشر وبشِّر إخوانك، بأنك وكُلَّ مَنْ أحبَّك معنا فى الجنة). فقام رضى الله عنه مسروراً وهو يردد قول الإمام أبو العزائم رضى الله عنه:

وبشّرنى أَّنِّى ومَنْ قَدْ أَحَبَّنِّى                   يَفُـوزُ ويُعْطَـى مِنْهُ كُـلَّ مُــرَادِ

 وقوله أيضاً:

 ونادانى أيـا ماضـى تَهَنَّــى                 فأنت ومـن يُحِبـُّك فـى أمــان

           ومن لحظتها كان رضى الله عنه يردّد عقب كل صلاة ثلاث مرات: (اللهمَّ تولَّ قَبْضَ رُوحى بِيُمْنَاك مع شِدَّةِ الشَّوْقِ إلى لقائك يا رحمن). وفى حَرَمِ الله أدَّى – رضى الله عنه – العمرة يوم الأربعاء غداة وصوله إلى مكة، حيث أنه كان قد نوى التمتع بالعمرة إلى الحج، وخلع ملابس الإحرام ولبس ملابسه العادية. ومكث كعادته فى الدأب لتبصير الحجيج بأمور مناسكهم، وتوضيح ما استشكل عليهم من أمور المناسك، فى كل موقع تطأه قدماه، لأنه كان يرى أن ذلك فرض على العلماء. ثم توالت الأيام المباركة إلى أن ودَّع – رضى الله عنه – الحجاج من إخوانه وتلاميذه وودع حجاج بورسعيد. وطلب من الأخ الكريم/ جابر عباس منشـد آل العزائم أن ينشد قصيدة الإمام أبو العزائم:

 لَبَّيْكَ يا دَاعِيـاً رُوحِى إلى الذَّاتِ                       رِفْقـاً بِجِسْمِى فَفِيـهِ سـرُّ آيـاتِ

 فاعتذر لعدم إسعاف الذاكرة، فقام رضى الله عنه بإنشاد القصيدة بنفسه بصوته العذب الندى.

          وفى يوم الأحد – الموافق 4 من ذى الحجة 1411 هـ، توجه رضى الله عنه – وبرفقته أخوين كريمين –  وذلك لإلقاء محاضرة دينية، كان قد وعد بها حجاج محافظة كفر الشيخ، وحاول الأخوان الكريمان أن يُرْكباه سيارة أجرة، ولكنه رضى الله عنه رفض ذلك قائلاً: ( وما علىّ أن أغبّر قدمى فى سبيل الله ساعة ). ومشىى رضى الله عنه يتحدث معهما، وفجأة وضع يديه على كتفيهما وشهق شهقة واحدة فاضت على أثرها روحه الطاهرة إلى بارئها، لتنهى حياة رجل نَذَرَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ وَوَقْتَهُ وَبَيْتَهُ وَكُلَّهُ لله عزَّ وجلّ. وقد تم دفنه فى مقبرة المعلا بمكة المكرمة كما أوصى رضى الله عنه وأرضاه، ولسان حاله كأنه يقول:

قل لإخوانٍ رأوْنى ميِّتاً                       فبكَوْنى وَرَثَوْنِـى حُزْنا

أتظنّـون بأنى ميِّتُكـُمْ                    ليس ذاكَ المَيِّتُ واللهِ أنـا

فأنا اليوم أناجى مَلكـا                       وأرى الحقَّ جِهَاراً عَلَنـا

أسألُ اللهَ لنَفْسِى رَحْمَةًً                  ورَحِـمَ اللهُ صِدِّيقـاً أمَّنَـا

وعليكم منى سلامٌ طيِّبٌ                 وسلامٌ مِنْ اللهِ بَـرٌّ وَثـَنـا

 وعزاؤنا فيه قول الإمام أبى العزائم رضى الله عنه وأرضاه:

فرُوحِى لَمْ تَغِبْ والرُّوحُ نُورٌ                            تُوَاجِهُ مَنْ أُحِبُّ بِنُورِ نُورِى

           رحمه الله رحمةً واسعة، وجزاه الله عنّا وعن المسلمين أجمعين خير الجزاء، بمغفرة ورضوان وخير فى الدنيا والأخرة، ونسأل الله عزَّ وجلَّ أن يلحقنا بمعيته، وأن يحشرنا فى زمرته، وأن يكرمنا يوم اللقاء بشفاعته. آمين .. يا ربَّ العالمين.

وصيته رضي الله عنه للإخوان

           يا إخوانى أوصيكم بالمحافظة على الحقوق، فلعنا لا نلتقى بعد اليوم، فنحن جميعاً مسافرون إلى الله عزَّ وجلَّ وليس هناك شيء أكرم من لقاء الله عزَّ وجلَّ . وإني أوصي إخوانى أن يتمسكوا بإخوانهم الذين قد يقطعونهم أو يقصرون فى حقوقهم، أو يتنكرون لهم ، فإن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا جميعاً: (ليس الواصل بالمكافئ وإنما الواصل الذى إذا قطعت رحمه وصلها).

وصَلَى اللهُ عَلَى سيدنا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِه وسَلِّمْ تَسْلِيماً كَثِيراً

*************

من كتاب: (سيرة وسريرة): لفضيلة الشيخ/ فوزي محمد أبوزيد

رئيس الجمعية العامة للدعوة إلى الله – جمهورية مصر العربية – القاهرة