أحدث المقالات
الرئيسية / من تراث الأئمة الأعلام / زَادُ الحَاجِّ وَ المُعْتَمِر / الواجب على الحاج أيام منى (زاد الحاج والمعتمر)

الواجب على الحاج أيام منى (زاد الحاج والمعتمر)

الواجب على الحاج أيام منى

1- الرمى:فيقوم الحاج برمى الجمرات الثلاث، الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى بترتيبها.
ويرمى كل واحدة بــــ (سبع حصيات) متفرقات، ويكبر عند كل حصاة، وذلك فى اليوم الثانى والثالث لمن تعجّل، على أن ينفر من منى قبل غروب الشمس، فإن غربت عليه الشمس فى اليوم الثالث، بات فى منى ورمى فى اليوم الرابع، وذلك ظاهر فى قول الله عزَّ وجلَّ:) فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى) (203البقرة).

          ووقت الرمى للأقوياء عند الزوال، أما أصحاب الأعذار فيبدأ الرمي لهم من الفجر، وقد روى ذلك عن أبى حنيفة والرافعى من الشافعية والإمام جعفر الصادق وعطاء وطاووس، فقال الإمام جعفر الصادق: (رمى الجمار ما بين طلوع الشمس إلى غروبها)، وقال أبو حنيفة: (يجوز الرمى فى اليوم الثالث قبل الزوال إستحساناً)، وذهب عطاء إلى أن: ( من نسى رمى يوم من أيام التشريق فليرمه وقت تذكره ما دام فى أيام التشريق)، قال: (من نسى رمى الجمار أيام التشريق فذكر وكان فى أيام التشريق فليرم ولا شيء عليه، فإن مضت أيام التشريق فقد ذهب وقت الرمى، فليهرق دماً، ومن فاته رمى الجمار يوماً، فليتصدق بدرهم).

          وجملة ما يرميه الحاج من الحصيات: إن تعجل (ثنتان وأربعين حصاة بالإضافة إلى سبع فى اليوم الأول)، ويكون جملته لمن تأخر (ثلاث وستون حصاة بالإضافة إلى سبع فى اليوم الأول فيكون جملتها سبعين حصاة).

الإنابة: ويجوز لأصحاب الأعذار إنابة من يرمى عنهم، بشرط أن يرمى عن نفسه أولاً، ثم يرمى عمن استنابهوتكون الإنابة لأصحاب الأعذار الشديدة، أما أصحاب الأعذار البسيطة فيستطيعون أن يرموا بعد الفجر مباشرة، ولا مشقة عليهم فى ذلك.

2- المبيت فى منى: وهو واجب عند معظم المذاهب، أى من ترك المبيت يجبره بدم، إلاّ على مذهب الإمام أبى حنيفة فهو سنة، وإن كان وقت المبيت كما حدده الأئمة، يكفى في أن يحضر الحاج ولو بعد منتصف الليل.

واستثنى من هذا الحكم أصحاب الأعمال التى لا تمكنهم من المبيت بمنى وخاصة الأعمال التى تتعلق بخدمة الحجيج، وهذا استناداً إلى ما روى عن ابن عمر: (أن العباس استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلمأن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له). وأيضاً ما ورد فى أنه صلى الله عليه وسلم: (أَرْخَصَ لِرِعَاءِ الإِبلِ فِي البَيْتُوتَةِ خَارِجِينَ عَن مِنًى، يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَرْمُونَ الغَد، وَمِنْ بَعْدِ الغَدِ لِيَوْمَيْنِ، ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْر). وهذا يبيح لذوى الأعذار أيضاً أن يرموا جمرة العقبة، ثم يرمون فى اليوم الأول والثاني معاً فى وقت واحد، ويرمون اليوم الثالث عند نفرهم من منى. وقد رخّص ابن عباس أيضاً فى البيات بمكة لمن معه شيء يخاف عليه هناك فقال:(لا بأس إذا كان للرجل متاع بمكة يخشى عليه أن يبيت بها ليالى منى).

مباحات منى

          ومما يباح للحاج فى منى ما يلى:

1- قصر الصلاة: وقد ورد القصر فى رواية حارثة: (صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِمنًى وَالنَّاسُ أَكْثَرَ ما كَانُوا فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ). وورد الإتمام عن عائشة وعن عثمان رضى الله عنهما: (أَنَّ عُثْمانَ بنَ عَفَّانَ أَتَمَّ الصَّلاَةَ بِمِنًى مِنْ أَجْلِ الأَعْرَابِ لأَنَّهُمْ كَثُرُوا عامَئِذٍ، فَصَلَّى بالنَّاسِ أَرْبعاً لِيُعَلِّمَهُمْ أَنَّ الصَّلاَةَ أَرْبَعٌ). وعلى هذا فيباح للحاج القصر فى منى، ويصح منه الإتمام، ولا يجوز أن يعيب القاصر على المتم، ولا أن يلوم المتم على القاصر، لأن الأمر هنا على السعة،وأشد من ذلك كله الخلاف، فليتأسى الحجيج بنهج وهدى الأصحاب رضى الله عنهم.

          وللتدليل على خطورة الخلاف فقد ورد عن عَبْدِ الرَّحْمٰنِ بنِ يَزِيدَ، قال: (صَلَّى عُثْمانُ بِمِنًى أَرْبَعاً، فقال عَبْدُ الله: (صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم رَكْعَتَيْنِ وَمَعَ أبي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُثْمانَ صَدْراً مِنْ إمَارَتِهِ ثُمَّ أَتمَّهَا، ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ، فَلَوَدِدْتُ أَنَّ لِي مِنْ أرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَيْنِ مُتَقَبَّلَتَيْنِ). قال الأَعمَشُ: فحَدَّثَني مُعَاوِيَةُ بنُ قُرَّةَ عن أشْيَاخِهِ أنَّ عَبْدَ الله صَلَّى أرْبَعاً.قال: فقِيلَ لَهُ:عِبْتَ عَلَى عُثْمانَ ثُمَّ صَلَّيْتَ أرْبعاً؟قال:الْخِلاَفُ شَرٌّ).

          والقصر رخصة والإتمام عزيمة، والأخذ بالرخصة عند مقتضاها عزيمة، فمن أخذ بالرخصة وقصر صلاته فحسن، ومن أخذ بالعزيمة وأتم صلاته، فقد أحسن.

2- التجارة: هى من الأمور المباحة فى أيام منى، ولا شيء فيها البتة إلا إذا دخل فيها الجدال فهو مكروه لأنها أيام حج، وهذا أيضاً فى عرفات، وفى ذلك يقول ابن عباس رضى الله عنهما: كانوا لا يتجرون فى أيام منى ويوم عرفة، فأنزل الله عزَّ وجلَّ: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ) (198البقرة) إلى آخر الآية.

3-جواز تعجيل النَّفر: والنفر أى النزول من منى إلى مكة، فيجوز أن ينزل من منى بعد رميه لليوم الثانى من أيام التشريق الثالث من أيام العيد، ويجوز أن يتأخر حتى اليوم الثالث من أيام التشريق، الرابع من أيام العيد،وأيضاً لا يعيب هذا على ذاك، ولا يحسب أحد أنه أفضل فى عمله من الآخر بعد أن أجاز الله الفعلين وأقرّ الأمرين: (فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى)(203البقرة)، على أن يلاحظ الحاج إن تعجل أن يكون نزوله من منى قبل غروب الشمس لما ورد عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: وهذا للأقوياء، أما الضعفاء وأصحاب الأعذار، فقد أجاز لهم الإمام أبو حنيفة النزول ما لم يطلع فجر اليوم الرابع من أيام العيد الثالث من أيام التشريق فقال:(له أن ينفر ما لم يطلع الفجر، ولو غربت الشمس وقد شدَّ رحله لم يلزمه الحطّ).

ما يندب للحاج بمنى

1- أن يشغل نفسه بذكر الله عزَّ وجلَّ لقول الله عزَّ وجلَّ: (وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ)(203البقرة)، والذكر يشمل التسبيح والتهليل والتكبير والإستغفار وتلاوة القرآن والصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم، والصلاة وغيرها.

2- لا بأس أن يزور الأماكن المباركة فى منىً مثل: مسجد الخيف، وهو المسجد الذي يقع قريباً من الجمرات، وقد ورد فى الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم صلَّى به كما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال:(صَلَّى في مَسْجِدِ الخِيفِ سَبْعُونَ نَبيّاً مِنْهُمْ موسى انِّي أَنْظُرُ إليهِ وعَلَيْهِ عَبَاءَتَانِ قَطَوانِيَّتَانِ وهُوَ مُحْرِمٌ على بَعِيرٍ من إبِلِ شَنُوءَةَ، مَخْطُومٌ بخُطَامٍ مِنْ لِيفٍ عَلَيْهِ ضَفِيرَتانِ).

تنبيهات فى الرمى.

1- أباحه العلماء وإن كان خلاف الأولى: بعض الحجاج الذين يستنابون فى رمى الجمار يرمى عن نفسه فى الجمرة الصغرى ثم يرمى عمن استنابوه قبل أن يكمل الرمى عن نفسه فى الجمرتين الأخيرتين، وقد أباح العلماء والأئمة ذلك نظراً لشدة وكثرة الزحام وإن كان خلاف الأولى.

2- بعض العلماء المتشددين يفتى الحجيج بأن من رمى قبل الظهر فرميه باطل ويأمرهم بالإعادة بعد الظهر، وفى هذا مشقة بالغة للمرضى والمسنين وذوى الأعذار، وكما وضحنا فيما سبق بأنه لا بأس لهؤلاء أن يرموا بعد الفجر.

3- يشدد بعض المتفقهين فى الدين على الناس فى منى فى قصر الصلاة ويصروا على أن الإتمام لا يجوز، وهذا غير مقبول لأن الأصل فى الصلاة الإتمام … والقصر جعل لأصحاب الأعذار وهو رخصة،أى أن أصحاب الأعذار لو لم يأخذوا به وأتموا لكان ذلك أفضل لهم، وما دام الأمر فيه سعة فيجب على العلماء رفع الحرج والتيسير على المسلمين.

 أحكامٌ متفرقة
إتمام المناسك

          فإذا انتهت أيام الرمى، ونزل الحاج إلى مكة، طاف طواف الإفاضة إن لم يكن طافه فى أيام التشريق، وسعى بعده بين الصفا والمروة إن كان متمتعاً. أما إذا كان مفرداً أو قارناً، فإن كان سعى بعد طواف القدوم فليس عليه سعى. أما إن كان طاف طواف القدوم ولم يسع بعده، أو جاء متأخراً وتوجه إلى عرفة مباشرة بدون طواف قدوم؛ فيجب عليه سعى الحج للمفرد، وسعى الحج والعمرة معاً للقارن بعد طواف الإفاضة، وبعد ذلك يحلّ له كل شيء حتى النساء.

عمل الحاج بعد أداء المناسك

          وبعد أداء الحاج لمناسك الطواف والسعى يبقى عليه عدة أشياء:

1-العمرة التى هى قرينة الحج: بالنسبة للحاج المفرد عليه أن يتوجه إلى التنعيم (مسجد السيدة عائشة) وينوى العمرة بعد إحرامه وصلاته ركعتين بالمسجد. ثم يتوجه إلى البيت الحرام فيطوف، ويسعى، ويحلق أو يقصر، وبذلك يكون قد انتهى من نسكه، لأن العمرة قرينة للحج، وفى ذلك يقول ابن عباس إنها لقرينته فى كتاب الله: (وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ) (196البقرة).

2- تعجيل الرجوع: يستحب للحاج التعجيل بالرجوع إلى الأهل، لما روى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا قَضَىٰ أَحَدُكُمْ حَجَّهُ فَلْيُعَجلِ الرُّجُوعَ إِلَى أَهْلِهِ فَإنَّهُ أَعْظَمُ لأَجْرِهِ).

3-أحكام فى العمرة: إذا كان عنده وقت لارتباطه بفوج فلا بأس عليه أن يؤدى عمرة لنفسه – أو لغيره – بعد أيام التشريق، أما العمرة فى أيام الحج – وهى شوال وذي القعدة وخمس عشرة يوماً من ذى الحجة – فإن أداها الحاج عن نفسه أو غيره فى هذا الوقت فعليه دم ما دام قد انتظر للحج، أما إذا أداها ورجع إلى أهله (أى لم يؤدِ الحج) فلا شيء عليه.

4- يندب للحاج أثناء إقامته بمكة أن يزور الأماكن الفاضلة إن تيسر له ذلك فإن لم يتيسر له ذلك فلا شيء عليه، ومنها:

غار حراء: وهو الذي كان يتعبد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه بدأ نزول الوحى عليه.

غار ثور:وهو الذي اختبأ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبى بكر (رضى الله عنه) عند الهجرة إلى المدينة.

المعلى:وهو مقبرة مكة وفيها يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قُبر بمكة مُسلماً بعث آمناً يوم القيامة)، ويقول أيضاً صلى الله عليه وسلم: (مَنْ مَاتَ في أَحَدِ الحَرَمَيْنِ بُعِثَ آمِناً يَوْمَ القِيَامَةِ).
5-ختم القرآن بمكة: يستحب للحاج أن يختم القرآن بمكة مرة على الأقل، لأنها تعدل مائة ألف ختمة بغيرها من البلاد.

طواف الوداع

      فإذا عزم الحاج على مغادرة مكة؛ فليكن آخر شيء يعمله بمكة أن يودِّع البيت بالطواف به فى ملابسه العادية، ويكثر فى دعائه:(ألاّ يكون آخر عهده بالبيت، ويسأل الله عزَّ وجلَّ أن يرزقه زيارة هذا البيت مرات وكرات).

          فإذا طاف طواف الوداع، وصلى ركعتين بعده سنّة الطواف فلا يحل له أن يشترى شيئاً من مكة إلا الطعام أو شراب، أو علاج، أو شيء أوجبته الضرورة، وذلك إلا الحائض والنفساء، فليس عليهما طواف وداع.

الفوات والإحصار

          وهما شيئان قد يتعرض لهما الحاج فلا يستطيع أن يؤدى فريضة الحج وحكمهما:

1- الفوات:وهو أن يتأخر الحاج بسبب السفر، أو المرض، أو تعطل لوسائل المواصلات، فيصل إلى عرفة وقد فاته وقت الوقوف – أي يصل بعد فجر يوم العيد – فعليه فى هذا الوقت أن يغير نيته بالحج وينوى عمرة، ويذهب إلى البيت ويعتمر، ويذبح هدياً، فإن تيسر له الحج من عام قابل فبها ونعمت، وإلا فليس عليه شيء.

2- الإحصار: وهو أن يُحصر الحاج فى الطريق إلى مكة، أى يُمنع، فيمنعه مانع أو يحبسه حابس من الوصول، مثل عدوّ أو قطاع طريق، أو وحش مفترس، أو مرض مفاجئ، فيمكث مكانه ولا يستطيع أن يكمل السفر إلى مكة حتى يفوته أداء الحج فماذا يفعل عندها؟ عليه فى هذا الموضع أن يذبح مكانه، ويحلق أو يقصر، ويرجع إلى أهله، وليس عليه قضاء حجه، وهذا بإجماع المذاهب- إلا الإمام أبو حنيفة رضى الله عنه، فقد أوجب عليه ان يرسل هديه ليذبح بمكة، ولا يتحرك من مكانه راجعاً إلى أهله حتى يتحقق ويتيقن بأن هديه قد ذبح بمكة.

******************

من كتاب: (زاد الحاج والمعتمر) لفضيلة الشيخ

#فوزي_محمد_أبوزيد#

رئيس الجمعية العامة للدعوة إلى الله – مصر