أحدث المقالات

تقديم – كتاب حكمة الحج وأحكامه

تقديم

     الحمد لله وكفى..، وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد.

    فهذه ترجمة موجزة عن حياة رجل من رجال الله الأبرار، وطليعة السادة الأخيار، الأستاذ الكبير الشيخ محمد على سلامة، غير مرتبطة بتاريخ، فإن يوماً من أيامه كألف سنة مما نعد، ولكنها ذكريات عطرة تاقت إليها أفئدة أبنائه، فأحببت وآثرت أن أضعها بين أيديهم.

    كان الأستاذ رضي الله عنه من صغره يتفانى فى نفع المسلمين ووعظهم وإرشادهم، وهذا ما حدا به أن يبادر إلى المساهمة فى عمارة بيوت الله، فكان (وهو حدث يافع) له صوت يجلجل فى ساحاتها وفى المجتمعات الدينية، ما بَعُدَ منها وما قَرُبْ.

    فعين خطيباً ومدرساً في مسجد عزبة العسكر بين مدينة أسوان والخزان، واختارته وزارة الأوقاف لهذا المسجد، فهو مسجد لطيف جميل البناء والزخرف، ليتولى هو تربية زواره ورواده.

    فقد كانت هذه الجهة مقفرة قاحلة، حيث تعرض للغرق مسجدهم الذى غطته مياه التعلية الثالثة لخزان أسوان.

    وفى أيام عمله القلائل التي سعد فيها المسجد بالأستاذ الكبير، كانت تفد الوفود إليه من أسوان، ومن نجوع أسوان جنوباً وشمالاً، وشرقاً وغرباً، فكان هذا المسجد أسعد المساجد لواعظه المخلص، وعالمه الأمين، وكأنما كان القضاء يهمس فى أذنهم بشيء، فكان يقول لي قائلهم: إن هذا الأستاذ عظيم جداً، ونرجو ألا تبعده عنا، وكان هذا المسجد أول بناية في هذا الصقع، وأقيمت حوله بيوتًا يسكنها أهلها القليلون.

    فعلمت من الشيخ محمد على سلامة أنه لا يوجد في هذا المكان سكن لساكن، وسألته كيف قضى هذه الأيام السالفة، وكنت قد علمت أنه قضاها بحاله لا ترضيني، أما هو فلم يبدو منه ظاهراً أو باطناً ما أشم منه رائحة التبرم، بل وأظهر أنه سعيد بمسجده وبجمهوره الذى كونه.

    ولم يكن في هذه الآونة مسجد خال من السادة الأئمة بأسوان، فأنقله إليه حيث يجد راحته في المدينة من جهة، وليكثر عدد المنتفعين به من جهة أخرى.

    فآثرت أن أقابل مدير خزان أسوان لكي يتبرع بإيجاد مسكن بمنطقة الخزان، وكان غير موفق فى هذا وكان عجيباً أن يتقدم حضرته بشكايتى إلى وزارة الأوقاف، فلما علمت الوزارة بما كان بيني وبينه أحالت الوزارة هذا الموضوع لوزارة الأشغال فليم لوماً عنيفاً.

    الله يعلم أن للشيخ محمد على سلامة مسجداً يهفو قلبه إليه، وينتظره في لهف وشغف، وأن له أهلا يحبهم ويحبونه، فوضع في طريق إقامته فى مسجد عزبة العسكر هذه العراقيل ليتم ما أراده سبحانه فلم أجد أمامى حلا لهذه المشكلة ـ وأسوان المدينة ليس بها مكان خال للإمام ـ والراحة متعذرة في مكان مسجده ولم أجد حلاً إلا أن أقول للشيخ محمد على سلامة: ألا توافق أن تكون بمسجد بلدتنا الكبير فقال فوراً: نعم، فيسرت له أمر السفر من أسوان إلى إسنا، ومنها إلى طفنيس بلدتى الحبيبية ومسجدها الحبيب إلى.

(وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ) (آية 32 من سورة التوبة)

    وقد دخل فضيلته هذا المسجد المبارك فدخلته البركة من جميع جهاته، إذ ازدهرت رياض العلم وأينعت ثمارها، وآتت أكلها ضعفين، فقد كان يدخل صوته الحبيب أثناء إلقائه درسه أو خطبته كل البيوت والبقاع، ما بعد منها وما قرب، كأن موصلاً يوصله إلى من نأى وما بعد بحاله لا يحتاج معها إلى مكبر – ولا غرو– فما خرج من القلب وصل إلى القلب،وما خرج من اللسان لا يتجاوز الآذان، مكث فضيلته سنيناً ثماناً إنهزم فيها الجهل وولى مذموماً مدحوراً، وضرب العلم خيامه ونشر أعلامه، ولم يكن الشيخ محمد على سلامة واعظاً بالمسجد أو عالماً بالبلدة فحسب، بل كان متجولاً ينثر جواهره هنا أو هناك، فما علم بخصومة – وإن بعد أهلها – إلا وقد حلها، ويسر الله له ذلك ،لأنه يريد التوفيق فيعبد الله له الطريق.

(إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا) [35،النساء]

    كان مرموق المكانة مبجلاً معظماً فى الأوساط الرفيعة وبين إخوانه وعارفي فضله، لم يكن يكن للدنيا سلطان عليه، سخي اليد في موضع يحسن فيه السخاء، كريم متلاف ذات اليمين وذات الشمال.

    وإذا ضيم جانب الدين كان أسداً هصوراً يحب فى الله ويبغض فى الله، يسمع بأصحاب المخالفات فيغزوهم فى عقر دارهم حتى يفيئوا إلى أمر الله.

    وحسبك من رجل ضحى بأهله وذويه وبأول أرض مس جلده ترابها، حيث وجد أرضاً قاحلة فأصلحها وسقاها وغذَّاها، فآتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً وهذا منتهى الجود.

    ما زال نجمه يتألق، وبدره يرسل الأضواء فى شتى البقاع، حتى اختير مفتشاً للمساجد، وكان أمر تعيينه فى مكان غير هذا المكان فيسر الله لنا أن يبقى بين ظهرانينا، فكان مفتشاً لمساجد منطقة (الأقصر)، فدخلها النور ودخلتها السعادة وولجها اليمن، فلقد كانت داره عامره دائماً بزواره من طفنيس وما جاورها، لا يسمح لهم أبداً فى التماس راحة فى غير منزلة، وكان يسهر على مصالحهم ويسعى فى قضائها.

    ولقد كان آسفا أشد الأسف عند اختياره مفتشاً للمساجد ولو بالأقصر القريبة، فكان يؤثر بقاءه بالمسجد بوعظه وإرشاده، فهدأت روعه بأن هذا خير أكبر وأعظم، وانتفاع الناس بك في أمكنة متعددة خير من انتفاعهم بك فى مكان واحد، وأنت كالغيث لا يجوز أن يشبع منه واد ويحرم منه أودية، أو كالشمس المشرقة ينتفع منها الجميع فى حقوق متساوي، وكان فضيلته كذلك، وكان من وراء تفتيش المساجد الخير والثواب العظيم ،فنشر العلم الغزير ،ونثر الدرر الغالية في كل ناد وواد. ففتح آذانا صمًا، وقلوبًا غلفًا، ويسر الله له ويسر به.

    حقيقة كنت حريصاً على بقائه على قرب منا، حيث نراه ونسمعه و كان يساعدني على ذلك تأثيره البالغ فى الجهة وأهلها، وحبهم العارم الملح لبقاءه فيها، ومن ذا الذي لا يحرص على بقاء النعمة حتى تراخيت أخيرا وخضعت لما قيل لى أن من قرن الله عزَّ وجلَّ حقهم بحقه – وهم أهله وذووه – فى شدة وألم لنأي الدار وبعد المزار، فطأطأت رأسي ورضخت لتنفيذ ما لابد تنفيذه، وهو نقله إلى بلدته بمحافظة الشرقية وعمله مفتشاً أول للمساجد هناك، وكان ذلك في أول مايو سنة 1967م.

    كنا نضع برامج للوعظ والإرشاد، فيما نأى من البلاد فى منطقة التفتيش العام، وخاصة في شهر رمضان، ولابد أن يكون فضيلة الشيخ محمد على سلامة أول من يختار وانتخب معه رفقة من العلماء للوعظ والإرشاد فى هذه البلاد ،وننزل البلد أو البلاد المجاورة، وبمجرد نزولنا لكل بلدة يكون أول عمل يعمله فضيلته أن يقيم الناس الجالسين من أماكنهم، ويصطحب الذاهبين، ويرجع الغادين، وإن بعدت مسافة البلد، ليحضروا المواعظ والخير، فلا يشذ منهم أحد، ولا يجد ألماً من غدا لمصلحه فأرجعه عنها ليسمع الوعظ ولا يخالف الأمر، هذه نفحة من نفحات الله، إذ متابعة الجميع له بيسر وسهولة أمر يتم عادة بلطف ورحمة، وهكذا كان له أمراً محبباً فى القلوب، فإذا ما سمعوا الوعظ والإرشاد تابعنا منهم الكثير لسماع وعظه الشهى فى البلاد الأخرى.

    ومن النوادر المستمحلة أنا نزلنا بدار العارف بالله سيدى أبو الوفا الشرقاوى بنجع حمادي، وكان في هذه الآونة مريضاً لا يقابله فيها أحد مهما كان وضعه، فما ولجنا الدار إلا وأحد أبناء الشيخ الكبار يدعونا (فوراً) للدخول عليه فى حجرته، فعجبت لهذا وقلت لابن فضيلة الشيخ أبو الوفا: ما هذا الإجراء الغريب فليس من عادة الشيخ أن يدخل عليه أحد فى حجرته، بل إذا أراد المقابلة خرج واستدعى من يريده – فقال هذا الابن: وأنا أيضاً فى عجب من ذلك، فهو أمر خارق للعادة فتفضلوا بالدخول فدخلنا على فضلية الشيخ وهو فى حالة إعياء شديدة، فطلب منا الدعاء وامتد بصر فضيلته إلى الشيخ محمد على سلامة طويلاً، وأمره من بيننا أن يلقى شيئاً من العلم والعظات فقلت للشيخ محمد على سلامة: لا بد من التنفيذ، فانطلق الشيخ محمد على سلامة يتكلم بطلاقة شيقة، وبدت على الشيخ علامات الابتهاج والانشراح بحالة أعادت له الحيوية والقوة، وود أن لو أطال الشيخ محمد على سلامة فى كلمته.

    مع أنني أتيت مرة لزيارة الشيخ وأحببت أن يسمح لى بالمقابلة، فأتى في هذه اللحظة – الأستاذ أحمد عبده الشرباص وزير الأشغال إذ ذاك ومعه وكلاء الوزارة ومفتشوها – وطلب الأستاذ الشرباص المقابلة – وكان الشيخ إذ ذاك قوياً فى صحته – فعاد أحد الأبناء أكبرهم، فقال إنه يعتذر عن المقابلة فألح الأستاذ الشرباص وألح الشيخ الرفض، وبعد أن قدمت إليهم التحية انصرفوا وبعد انصرافهم بلحظات خرج الشيخ إلينا فاستمتعنا بلقائه وحديثه.

    فانظر كيف يعتذر الشيخ عن مقابلة العظماء وهو صحيح، ويلح في مقابلتنا وهو مريض.

   وقد همست فى أذن الشيخ محمد على سلامة بعد المقابلة وقلت له: إن الشيخ قد استدعاني معك وأنت المقصود الأول، حيث أمرك أن تلقى كلمة بين يديه صح بعدها جسمه، وارتاح لها فؤاده، فقال في تواضعه المعتاد: أنتم الآباء ونحن الأبناء.

   وقد رأيت كثيراً من فضيلة الشيخ محمد على سلامة من الطرائف المحمدية واللطائف الإلهية، منها أنه كان يطرق ما يدور بخلدى فور حصوله،كأنما يتكلم كلاماً عادياً مرسلاً، ولكنه فراسة وإلهام . وكنت أعتقد أن هذا أمر لابد أن يكون لعظمته عند الله.

   والكلام كثيراً لا تسعه الصفحات، وحسبه أن أوقاته التي يحق له أن يستمتع فيها بأهله وذويه يؤثرنا بها وهكذا يكون الوفاء.

   نسأل الله تعالى أن يطيل عمره لادامة النفع به مرشداً هادياً مصلحاً، وضراعتي إلى الله أن يحشرني معه في أعلى عليين.

                                                             الأمير محمد الحفنى

                                                مراقب الدعوة بوزارة الأوقاف سابقاً